الساده آل باعلوي آل محمد Sada Ba'Alawi AL-Muhammed  

العودة   الساده آل باعلوي آل محمد Sada Ba'Alawi AL-Muhammed > ~ حضارة آل باعلوي ~ > أدب و تاريخ آل باعلوي

أدب و تاريخ آل باعلوي شعر l تـراجم   l قصائد lمـؤلفات l و تـاريخ باعلوي


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-13-2010, 08:07 AM   #1
محبة آل البيت
Member
 
الصورة الرمزية محبة آل البيت

محبة آل البيت is on a distinguished road
محبة آل البيت غير متواجد حالياً
افتراضي مخطوط :فتح الكريم الغافر في شرح حلية المسافر للعلامة الحبيب السيد عقيل بن عمران باعمر

فتح الكريم الغافر في شرح حلية المسافر تأليف: السيد العلامة عقيل بن عمر (عمران) بن عبد الله باعمر توفى ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من محرم سنة 1062 هجرية قام بخدمة نقله من المخطوط: السيد محمد بن عقيل علوي باعمر قام بخدمة نشره على الإنترنت وترتيبه و التعليق عليه: السيد محسن بن حفيظ فضل باعمر
التعريف بالمؤلف ترجمه السيد العلامة عقيل بن عمر (عمران) بن عبد الله باعمر
نسبه الشريف: هو السيد الشريف العلامة أبو المواهب عقيل بن عمر(توفى مستهل شهر رجب 1045 هجرية في ظفار و دفن بمقبرة الشيخ عبدالرحمن من الجهة الشمالية، تزوج عائشة بنت حاسكي بن عفيف بن محمد بن عفيف الدين) بن عبدالله بن علي بن عمر بن سالم بن محمد (ولد بتريم و تزوج الشريفة علوية القارة الصغرى بنت الإمام عبدالرحمن السقاف بن محمد مولى الدويلة) بن عمر(قراءة يس عند قبره مشهورة لقضاء الحاجات، المشرع(ص 284/ج1) بن علي بن عمر( ولد بتريم و توفي بها سنة 743 هجرية) بن أحمد الشهيد(ولد بتريم سنة 610 هجرية و دفن بمسجد باقشير بحضرموت سنة 706 هجرية) بن محمد الفقيه المقدم(ولد بتريم عام 574 هجرية و توفي بذي الحجة 653 هجرية، تزوج الشريفة زينب أم الفقراء بنت أحمد بن محمد صاحب مرباط ) بن علي بن محمد صاحب مرباط( الجد الجامع لجميع السادة آل باعلوي الكرام،ولد بتريم و توفي بمرباط سنة 556 هجرية) رضي الله عنهم أجمعين. قال تلميذه الحبيب محمد بن أبي بكر الشلي t في كتابه المشرع الروي في ترجمته للسيد عقيل باعمر باعلوي،ص / ج:
كنيته أبو المواهب، الشهير بالمشارق والمغارب، مربي المريدين، دليل السالكين، أحد العباد المشمرين. الذي هيأ أسباب الرشد و الهداية، و أنال الطالبين الرشد و الدراية، شيخ الإسلام و قدوة الأنام و علم الأعلام، ولد رضي الله عنه بقرية الرباط من قرى ظفار الحبوظي، سنة 1001هـ، و حفظ القرآن المجيد على طريقة التجويد، واشتغل بطلب الفضائل، و صحبة العارفين الأماثل، فأول سماعه و هو ابن عشر سنين من السيد الجليل شهاب الدين أحمد بن محمد الهادي بن شهاب الدين بظفار، وأخذ عنه وعن غيره من العلماء. وكان له في ابتداء أمره سياحات، وعظيم اجتهادات، فكان ينعزل عند قبر جده الأعلى محمد بن على بمرباط المدة المديدة، و كذلك عند قبر العارف بالله تعالى صاحب حاسك، وربما تعبد في بعض الجبال قريب البلاد، ثم اشتاق للارتحال، لبلوغ المقاصد و الآمال، فارتحل إلى الديار الحضرمية، فلقي بها من السادة العلوية، وأئمة المهدية، ما نال بسببهم كل امنية، وأخذ بتريم عن تاج العارفين، الشيخ زين العابدين، العيدروس و أخيه الشيخ شيخ وابن أخيه شيخنا شيخ الإسلام عبدالرحمن السقاف العيدروس، وأخذ عن السيد الجليل محمد الهادي ابن عبدالرحمن ولازمه ملازمة تامة، وأخذ عنه عدة علوم، ولبس الخرقة الشريفة من هؤلاء المذكورين و تفقه على شيخنا القاضي السيد أحمد بن حسن بلفقيه، وأخذ التصوف و الحقائق عن السيد الجليل أبي بكر الجنيد وعلي بن عمر بن عبدالله باهارون بروغة، و صحب السيدين العظيمين الحسن و الحسين ابني الشيخ أبي بكر بن سالم بعينات، وغيرهما من أولاده، وأخذ عن الشيخ حسن باشعيب بالواسطة، ثم رحل إلى اليمن للسيد العارف بالله تعالى عبدالله بن علي بن حسن، ثم رحل إلى الحرمين الشريفين وأدى النسكين العظيمين، سنة 1033هـ و حضر دروس شيخ مشايخنا السيد عمر بن عبدالرحيم البصري الفقيه وغيرها، واخذ عن الشيخ الكبير أحمد بن علان و السيد الجليل علي بن عبدالله باهارون، و العارف بالله سعيد بابقي وغيرهم، ثم رحل لطيبة لزيارة القبر المكرم، فزار جده محمداً r ، وأخذ بها عن جماعة من العارفين، ثم دعا إلى شيخه العارف بالله تعالى عبدالله بن على بالوهط و لازمه ملازمة تامة، و أخذ عنه علوماً خاصة وعامة، وحظي عنده حتى صار من أعيان أصحابه و خواص أحبابه، وألبسه الخرقة الشريفة، ولما ألبسه قال فيه: لبست تلك الخرقة الأنيقة و حزت أسرار لها دقيقة فهمت ما قد لاح أو تلالا من نور تلك البرقة المشيقة وأنت مخطوب لسر معنى أهل الطريقة صرت والحقيقة ثم عاد إلى مدينة تريم بعلم عظيم جسيم، وأخذ عنه جماعة كثيرون عدة فنون، ثم ثنى عنانه وقصد أوطانه، فلما وصل لوطنه ظفار، ألقى بها عصى التسيار، ونصب نسه لنفع الأنام، الخاص منهم والعام، وهداية الرائح والغادي وإرشاد الغاوي، فشاع ذكره وذاع وعم به الانتفاع، وأخذ عنه جماعة كثيرون، وتخرج به علماء عارفون، وصحبه خلائق لايحصون، منهم السيد الصالح الولي ابن عمه عمر بن علي بن عبدالله، وولده السيد الكامل العالم العامل، صاحبنا السيد علي بن عمر بن علي الشهير بإقليم ظفار كالشمس وسط النهار، ومنهم أولاده السادة العارفون أحمد وطه و زين العابدين، و شيخنا عمر بن عبدالرحيم بارجاء الشهير بالخطيب، والشيخ الكبير محمد بلعفيف وأبوه الشيخ أبوبكر صاحب طاقة، و الشيخ أحمد حاسكي بن الشيخ سعد و غيرهم. واجتمعت به في ظفار سنة 1051هـ ، و قرأت عليه كتاب التنوير لابن عطاء، وبعض إحياء علوم الدين، و قرأت عليه تأليفه المسمى (فتح الكريم الغافر في شرح حلية المسافر)، وسمعت بقراءة غيري كتباً كثيرة، وألبسني الخرقة الشريفة بيده الكريمة، وحكمني وأجازني في جميع مروياته، وأذن لي في الإلباس وله مؤلفات مفيدة في علوم عديدة، منها العقيدة، وهي منظومة، و شرحها شيخنا الشيخ أحمد بن محمد المدني الشهير بالقشاشي شرحاً عظيماً، وشرحها أيضاً تلميذه العارف بالله تعالى علي بن عمر باعمر بأبسط من شرح شيخنا، و له شرح على قصيدة العارف بالله تعالى سعيد بن عمر بالحاف، التي مطلعها: لما بدت لي في حلية المسافر سماه فتح الكريم الغافر في شرح حلية المسافر، لم يسبقه غيره إلى نسج مثله، ورتبه على ترتيب السلوك إلى ملك الملوك، مع زيادة أمثلته في معنى السفر الحسي المعنوي، و له نظم بديع الأسلوب تستحسنه المسامع والقلوب، وأكثر نظمه على طريق الصوفية في العلوم الحقائقية، والحضرة الربانية، والحضرة المحمدية، وكان يحب السماع الذي تستحسنه الطباع. وكان له جاه واسع وصيت شاسع، طبق فضله طباق الأرض، وعم نفعه الطول والعرض، لا ترد له شفاعة، وكل من أمره بشيء أجابه بالسمع والطاعة، وكانت أخلاقه شريفة، وشمائله لطيفة، وكان ملجأ للوافدين، وحرماً آمناً للخائفين، وملاذاً للقاصدين، وكان يكرم الضيفان، ويكسو العريان، ويحسن على العام والخاص، والداني والقاص، ويجيب سائله، وينجح وسائله، وكان عن المذنب مغضياً، وإلى الصفح مفضياً، وللعثار مقيلاً، وللحائر دليلاً، وغير ذلك من صفات الكمال، التي يضرب بها الأمثال، وتمتد إليها أعناق الرجال، وكان ملازماً للاستقامة، التي هي أعظم الكرامة، ومن ثم لم تظهر منه الكرامات وخوارق العادات، إلا عند الحاجات و الضرورات، وكان يقول شفعت في أهل وقتي من قاف إلى قاف، إشارة إلى أنه أعطي الولاية الكبرى، ولم يزل في ظفار سراجاً منيراً، في تلك الديار إلى أن دعاه أجله فلبى، وقضى من الحياة نحباً، وتوفي رحمه الله ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من محرم سنة 1062هـ، وشيعه خلائق لا يحصون، وأسف على فراقه العالمون بقدره و الجاهلون، ودفن بقرية الرباط، التي بلوغ المطالب بها يناط، و قبره بها معروف، و باستجابة الدعاء موصوف، ورثاه تلميذه صاحبنا السيد علي بن عمر بقصيدة أولها: سلام على من حل في لب خاطري وإن غاب عن عيني شهود النواظر محب ومحبوب وداعٍ إلى الهدى وفتاق سر السر من قرب قادر ثم قال في أثنائها: لئن قيل معروف و بشر وحاتم و سهل مقامات جنيد البواهر وغزال تصنيف ومحضار سطوة ٍ وجيلان بغداد سما عند غافر و بسطام أحوال وشبلي وشاذلي أبو الغيث جذبات حظي بالبشائر ففيه انطوت أحوالهم و تجمعت فصار إماماً في الحقائق ماهـر وهي طويلة ورثاه غيره أيضاً رحمه الله تعالى. انتهى قول تلميذه صاحب المشرع. قال السيد العلامة علي باعمر عن شيخه السيد العلامة عقيل بن عمران باعمر في كتابه الذي شرح فيه منظومة العقيدة لشيخه: (( فمن أجل مشايخ سيدي الناظم قدس الله روحه، السيد الشريف قطب دائرة الأولياء وإمام العارفين الأصفياء، عبدالله بن علي بن حسن بن الشيخ علي بن أبي بكر علوي، يعرف بصاحب الوهط لما سكنها، ودفن بها، وكان سيدي الناظم، لما سافر قاصداً حجة الإسلام، وزيارة جده المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، اجتمع بالسيد عبدالله بن علي، وكان لسيدي محبة صادقة ومودة خالصة في السيد المذكور، مع تحصيل العلم من قريب و شاسع والهمة العالية في تحصيل الأخلاق المحمودة، وطلب الفائدة من أهل العلم والأحوال السنية، فلما رآه السيد عبدالله بهذه المثابة أي الحالة، مع ما سبق له من تخصيص العناية، أحبه وقربه منه، وأتحفه بالسر المصون، كما هو شأن العارفون بالله والعلماء العاملون، وألبسه خرقة التصوف الخاصة، المسماة خرقة الإرادة، واذن له في إلباسها، فأفاض عليه من فيض جوده وكرمه، وسكب عليه من غيث مواهبه و فضله، مما لا يحصى من عظيم العطايا الجزيلة والمقامات العلية، وغرايب المكاشفات والمشاهدات السنية، مالا ينكرها إلا أعمى بصيرة محروم، أو حاسد، من ريح محبة الله وأوليائه مزكوم، ولما ألبسه الخرقة الأنيقة، قال فيه هذه الأبيات وهي أعظم شاهد له بالولاية الكبرى، والسبق في ميدان الخلافة النبوية بلا مراء، نقلتها من خطه الشريف، ولله در شعره : لبست تلك الخرقة الأنيقة وحزت أسراراً لها دقيقة فهمت ما قد لاح أو تلالا من نور تلك البرقة المشيقة وأنت مخطوب لسر معـنى أهل الطريقة صرت والحقيقة ولا يخفى أن المخطوب هو المحبوب، الذي خطبته عناية الله، وشهد له من شهد من أمثاله، والمساوي له في أحواله، ومنهم السيد الشريف العارف بالله تعالى الهمام زين العابدين بن عبدالله بن شيخ العيدروس باعلوي، ألبس سيدي الخرقة، وكتب له اجازته، ومنهم السيد الجليل ذي الأحوال الصادقة والكرامات الخارقة، شهاب الدين أحمد بن محمد الحبشي باعلوي، ومنهم السيد الولي علي باهارون باعلوي، المجاور بمكة المشرفة، ألبسه الخرقة في السنة التي حج فيها، ومنهم الشيخ الكبير والعلم الشهير الصوفي حسن باشعيب، أخذ عنه تلقين الذكر بكيفيته وآدابه المعروفة عند أهله، ومنهم السيد المفضال العلامة الولي الكبير عبد الهادي بن شهاب الدين بن علوي، قرأ عليه سيدي في علم التصوف وغيره، وانتفع به جداً واقتبس من أنواره، وجذبه بمغناطيس أسراره، إلى أن وصل إلى ما وصل ببركته، ومنهم الشريف العلامة المحقق المتفنن عمر بن عبدالرحمن البصري، قرأ عليه أيضاً سيدي في السنة التي حج فيها، وتضلع من علومه السنية وأخلاقه المحمدية، ومنهم الشريف الفقيه العلامة البارع في أشتات العلوم شهاب الدين أحمد بن الهادي علوي، قرأ عليه سيدي في الفقه والحديث وغيرهما، وكان بينهما من التودد والتناصف ما هو مشهور، حتى كأنهما روحان في جسد واحد، وكان يعظم سيدي كثيراً ويثني عليه ثناءً جزيلاً، ومنهم الفقيه الورع المتقن السيد أحمد بن حسين بلفقيه علوي، قرأ عليه سيدي في الفقه وغيره قراءة متقنة يتضح بها التبيين، ويثمر منها علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ومنهم السيد الشريف الزاهد الولي الخامل الصوفي أبوبكر بن عبدالرحمن بن شهاب الدين علوي، قرأ عليه سيدي في علم التصوف والحديث وغيرهما، وانتفع به كثيراً، ومنهم الشيخ المشهور العلامة أحمد بن إبراهيم علان البكري، أخذ عنه سيدي التصوف وغيره بمكة المشرفة، ومنهم الفقيه المقرئ الشيخ جمال الدين محمد بن عبدالله باقشير الحضرمي، قرأ عليه سيدي في الفقه وغيره مع مذاكرة ومباحثة، ومنهم الفقيه أحمد بن عوض باحضرمي، قرأ عليه أيضاً في الفقه، وغير هؤلاء من العلماء الأعلام والمشايخ العارفين الكرام، وكلهم أثنوا على سيدي ومدحوه وشهروه، وشهدوا له بالولاية الكبرى، واجتمعوا على إثباتها وعظيم خصوصيته، واعترفوا بعلو منزلته، بل شهد له بعضهم بالقطبية، وهو جديرٌ بذلك، وهذا القول منهم اعتناءً به ومحبةً له، لما رأوه مجتهداً في طلب العلوم النافعة، ومشاركاً في جميع فنونها، لكن غلب عليه - نفع الله به- علم التصوف كأمثاله من آل باعلوي الكمّل، وهو المطلوب الأعظم لمن به الله أكرم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)). نسب أخوال المؤلف(1) قال كاتب هذه النبذة رحمه الله: ((بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين وعلى آله وأصحابه الأطهرين. و بعد، استخرت الله أن أجمع تعليق لطيف في نسبة بني الشيخ سعد تاج العارفين خوفاً عن الضياع. قيل: كان في اليمن رجل يقال له رشيد، وكان له أهل كثيرين، فخرج منهم ورحل إلى ظفار وتزوج هناك، فولد له ولد يقال له علي، فلما كبر وأخذ في الصلاح ولبس ثياب الصالحين، ثم ولد له ولد يقال له سعد، فلما كبر ازداد صلاحه وبلغ مرتب الأولياء الواصلين، حتى يقال له تاج العارفين وصار شيخاً مرشداً، و قد دعا أن لا ينقطع من نسله من يجلس على سجادته، وكان كذلك، ثم خرج من ظفار إلى الشحر المشهورة، ثم توفي فيها رحمه الله تعالى، وكان له ولداً في ظفار يقال له أبوبكر، وكان عارفاً صالحاً مرشداً، فجلس على سجادته، فلما خرج لزيارة أبيه في طريق البحر، غرق الزورق في البحر، فتوفي رحمه الله تعالى، وكانت امرأته حامل فولدت له ولد اسمه محمد فلما توفي الشيخ أبوبكر جلس على سجادته في موضعه الشيخ سالم باقوير وهو من أكابر الصلحاء في زمانه، وكان محمد بن أبي بكر في خدمته، ونشأ عنده صغيراً، فلما كبر واخذ في الصلاح، أرسل مريد الشيخ سعد رحمه الله تعالى وهو الشيخ محمد باطحن – وهو أيضاً من أولياء الله الصالحين – بكتاب إلى الشيخ سالم باقوير أن يجلس محمد بن أبي بكر على سجادة أبيه وجدّه، فلما جلس عليها، وكان شيخاً كبيراً صالحاً مرشداً عارفاً بالله، فأسس رباطاً وبنى مسجداً وحفر بئراً، حتى أنه كان يقال له الشيخ محمد صاحب الرباط، وكان له ولد يقال له الشيخ أبوبكر، وكان شيخاً صالحاً مرشداً فاضلاً صاحب كرامات باهرة، فلما توفي والده الشيخ محمد المذكور، جلس على سجادته في موضعه، وكان لهذا الشيخ أربعة بنين وأربع بنات، وهم الشيخان أحمد ومحمد المشهوران في الآفاق بالكرامات العظمى، وعبدالرحمن وعبدالله، فلما توفي الشيخ أبوبكر جلس على سجادته الشيخ احمد المذكور، فلما توفي الشيخ أحمد جلس على السجادة أخوه الشيخ محمد، فلما توفي الشيخ محمد جلس على سجادته ابنه الشيخ عفيف الدين، وهو تاج الصلحاء العارفين، فلما توفي، جلس على سجادته ولده الشيخ محمد وهو أيضاً من الصلحاء العارفين، ولعفيف الدين ولدين أحدهما هذا صاحب السجادة التي جلس عليها بعد والده، والآخر أحمد بن عفيف المقبور بصلالة في المقبرة المعروفة بها باسمه، وهو جد لأحمد بن عفيف ،ومحمد بن عفيف الدين جد أهل الرباط المعروف برباط الشيخ محمد، وهو سابقاً يسمى رباط الشيخ علي بامنصور، ولمحمد بن عفيف الدين ابن يسمى عفيف بن محمد ولعفيف بن محمد ابن يسمى حاسكي بن عفيف بن محمد بن عفيف الدين، وحاسكي هذا له أربعة أولاد ذكور وبنت، وهم أبوبكر وحمد وعلى وعبدالله، والبنت عائشة أم السيد عقيل بن عمران باعمر)). مؤلفاته: 1. كتاب: ( فتح الكريم الغفار في شرح حلية المسافر)،كتابنا هذا الذي يظهر للوجود للمرة الأولي بعد ما يقارب الأربعمائة سنة على شبكة الإنترنت. 2. له منظومة في العقيدة شرحها شيخنا أحمد بن محمد المدني الشهير بالقشاشي شرحاً عظيماً و شرحها تلميذه العارف بالله تعالى السيد علي بن عمر باعمر باعلوي بإبسط من شرح شيخنا. 3. (( منتخب الزهر و الثمر في غريب الحديث و الأثر))، و هي رسالة في خزانة الرباط بالمملكة المغربية ( 1778 ك) لم نستطع الحصول عليها إلى الآن.. 4. له كثير من النظم في التصوف. -------------- فتح الكريم الغفار في شرح حلية المسافر -------------- أيها السامعون المتهيئون لهذا السفر و الراغبون في ركوب هذه الجلبة المذكورة[1] طلباً للمفاخر، و هي السلع الغالية النفيسة من القرب من الله تعالى و المعرفة و الشهود الصرف العاري عن الشوائب كما سيقوله بندر القربة. و هذه المفاخر إنما توجد بذلك البندر المذكور. فاجتهد يا أخي في السفر إليه و التعريج عليه إن شئت السعادة و الغبطة في الدنيا و الآخرة. أما ترى أهل الدنيا كيف يخاطرون بأرواحهم و نفوسهم في ركوب البحر و الأهوال لطلب الفائدة الخسيسة المضمحلة فترى الواحد يمضي عمره كله في تعب الأسفار و التغرب لأجل الفائدة الحقيرة المذكورة. فمالك أيها المؤمن لا تبذل نفسك و روحك في طلب هذه المفاخر. روي عن الشيخ عبدالرحمن المغربي و كان مقيماً بشرقي الإسكندرية أنه قال: حججت سنة من السنين فلما قضيت الحج عزمت على الرجوع إلى الإسكندرية، فإذا قائل يقول لي: إنك العام القابل عندنا فقلت إذا كنت العام القابل هاهنا فلا أعود إلى الإسكندرية، فخطر لي الذهاب إلى اليمن ، فأتيت عدن فإذا أنا يوم على ساحلها إذا بالتجار قد أخرجوا بضائعهم و متاجرهم ثم نظرت فإذا رجل فرش سجادته على البحر و مشى فقلت في نفسي: لم أصلح للدنيا و لا للآخرة. فإذا قائلٌ يقول لي: من لم يصلح للدنيا و لا للآخرة يصلح لنا. انتهى. و هذا معنى قول الشيخ ابن عطا حيث قال في الحكم لا ترحل من كونٍ إلى كون فتكون كحمار الرحا يسير و الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، و لكن ارحل من الكون إلى المكون. قال تعالى : ( و إن إلى ربك المنتهى ) و هذا هو غاية المفاخر الذي قاله المؤلف ظفرنا الله و إياكم لذلك ووفقنا و إياكم لما هنالك. التقوى و قوله t: هيرابها التقوى و منه الألواح أي أصل هذه السفينة المعنوية و أساسها التقوى قال الله سبحانه و تعالى : ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله …) الآية وفي وصية رسول الله r للرجل الذي استوصاه فقال صلى الله عليه و آله و سلم : عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير. و قال الشيخ عبدالله بن سعد اليافعي رضي الله عنه في كتابه (نشر المحاسن): (( اعلم أن تقوى الله هي القطب الذي عليه مدار السعادة و الأصل الذي لا يصح البناء إلا عليه في العادة. و السعادة محلها العاقبة قال تعالى: ( و العاقبة للمتقين ) . و الأصل الذي لا يصح بناء العمل حتى يتم و يقبل هو تقوى الله عز و جل قال الله تعالى : ( إنما يتقبل الله من المتقين). و لعمري إن هذا الأصل المذكور هو الأصل الذي لا يهدم البناء عليه على تعاقب الدهور، إذ هو أصل الدين الذي صاحبه لا يزال يرتقي في رياض السرور و النعيم و يرتقي في مراقي أعلى الشرف و الكرم المباين لنعيم الدنيا و شرفها الحقير الزائل ، و ناهيك في شرف التقوى قوله عز و جل: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) و كونها أيضاً وصية الله رب العالمين لعباده الأولين و الآخرين و هو قوله سبحانه و تعالى: ( و لقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و إياكم أن اتقوا الله ) )). قلت: و التقوى أصل كل خير و من رزقها فقد رزق العناية و الوقاية كما قال الله سبحانه و تعالى: ( و من يتق الله يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب ) و ماحٍ للسيئات و مبدلها بالحسنات قال صلى الله عليه و آله و سلم: اتق الله حيثما كنت و أتبع السيئة الحسنة تمحها …) و قال عز من قائل: ( و لو أنهم آمنو1 واتقوا لكَفَّرنا عنهم سيئاتهم و لأدخلناهم جنات النعيم ). و قال تعالى: ( واتقوا الله و يعلمكم الله) وهو العلم اللدني الذي لا يوجد بكثرة الدرس و لا بتعلم حسي بل هي مواهب من الله تعالى أزلية سببها التقوى. و التقوى في الظاهر امتثال أوامر الله و اجتناب مناهيه و باطنه حسن النية و المراقبة و الإخلاص إلى غير ذلك مما سيأتي. فالتقوى جامع كل المقامات و أصلها فلذلك قال المؤلف و منه الألواح أي يتفرع منه كل المقامات. الطاعة و بذل الأرواح و قال t: و كيلها الطاعة و بذل الأرواح و الطاعة هي الانقياد لما أمر الله به من واجب و مندوب كما أمر الله سبحانه و تعالى فقال: (واتقوا الله و أطيعون ) و قال أيضاً: ( و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول ) إلى غير ذلك فأما الواجبات فهي أداء كل واجب في وقته بشروطه و كماله. و أما المندوبات فهي كما قال صلى الله عليه و آله و سلم في الحديث القدسي: (ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق بها). و في لفظاً آخر: (كنت له سمعاً و بصراً و يداً و مؤيدا)ً. ناهيك بهذه الفائدة العظمى و هي ثمرة الطاعة التي أنالته محبة الله تعالى التي هي أفضل المطالب و غاية المآرب. ثم بعد ذلك الفناء عن نفسه و البقاء بربه ظفّرنا الله وإياكم بذلك. و من الطاعة أيضاً تقييد الأوقات بالأوراد من الصلوات و الأذكار و غير ذلك على الكتاب و السنة كما أشار الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إليها بالنوافل في الحديث المتقدم. و قال الشيخ ابن عطاء: قيد الطاعات باعتبار الأوقات. فينبغي لك أيها السالك هذه الطريق و المسافر في البحر العميق أن تحبس نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه، فتنال بذلك الطاعة و تربح في سفرك أحسن البضاعة، فواضب عليها و إن كنت مع الكراهة، أو لا تفضي بذلك إلى راحة، فتعانقها بالتلذذ قلباً و قالبا فتكون من خواص الذين شرح الله صدورهم و كتب في قلوبهم الإيمان و بَغَّض لهم العصيان، فبادروا إلى الطاعات و سارعوا إلى نوافل الخيرات، فصارت أعمالهم قربات و هممهم عاليات فتركوا الشهوات، و تلذذوا بالمناجاة، فطوبى لهم ثم طوبى لهم حيث صاروا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن ألئك رفيقا، ذلك الفضل من الله و كفى بالله عليما. وقد جاء في بعض الكتب من الله عز وجل: يا بن آدم أنا الله لا إله إلا أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون. وفقنا الله و إياكم لذلك ورزقنا ما هنالك. فاجتهد أيها الأخ وابذل روحك في طاعة ال،له وامتثال هذه المواهب العظمى و النعم الجسيمة في الدنيا و الآخرة. الزهد في الدنيا الثبات على الطاعة لا يتم إلا بتفريغ همك عن محبة الدنيا و شواغلها فلذلك قال (t): و الزهد في الدنيا الحبال يا صاح. فجعل الزهد حبال هذه السفينة التي تضم و تلزم ألواحها بعضها ببعض لتثبت و تقوى على السفر المذكور. فالزهد من أعظم المقامات للسالك، لأن محبة الدنيا و الاشتغال بها تمنعه و تعوقه عن السلوك و تكدر عليه طاعته كما ذكرنا. فينبغي للسالك إن أراد السفر أن يتفرغ أولاً عن هموم الدنيا و شواغلها ليستقيم حاله و يكثر عمله و طاعته و إن كان قليلاً. كما قال الشيخ أبن عطاء في الحكم: ما قل عمل برز من قلب زاهد و ما كثر عمل برز من قلب راغب. أي راغب في الدنيا محب لها، فهذا و إن كثر عمله فهو قليل. و قد روي عن ابن مسعود t أنه قال: ركعتان من عالم زاهد خير من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبداً سرمداً. فإن ترك العبد المسافر إلى وطنه ما يعوقه من الدنيا، و أعرض عنها بقلبه و همه لأجل الله تعالى صفت أحواله و استقامت أعماله و كثرت و خرج من رق النفوس و تحقق بالعبودية للملك القدوس. قال r: ( تعس عبد الدنيا تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة). و قال الشيخ ابن عطاء في الحكم: ما أحببت شيئاً إلا كنت له عبداً. ثم اعلم أن الدنيا عدوة الله ما نظر إليها منذ خلقها فينبغي للمؤمن أن يفرغ قلبه عنها. القلب الذي هو بيت الرب كما قال الله سبحانه و تعالى: ( ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن). فلا يستوي عدوان في بيت واحد جل سبحانه و تعالى عما يصفون. و قال الشيخ أبو عبدالله القرشي t شكا بعض الناس لرجل من الصالحين أنه يعمل أعمال البر و لم يجد لها حلاوة. فقال: لأن عندك بنت إبليس و هي الدنيا ولابد للأب أن يزور ابنته في بيتها و هو قلبك، ولا يؤثر دخوله إلا فساداً. و بالجملة فينبغي للمريد السالك هذا السفر الفرار من الشواغل العائقة له عن سفره من كل شيء سوى مقصوده و مطلوبه، و هو الله سبحانه و تعالى. كما قال الشيخ أبا سليمان الداراني t : ما شغلك عن الله من أهل و مال فهو مشؤوم عليك. و هذا هو الزهد الحقيقي. قلت: وأما كل ما يقرب إلى الله تعالى من مال و ولد و غير ذلك، فلا يعد من الدنيا. و لكن السالك الضعيف المبتدئ الأولى له التجنب و التفرغ حتى يصل إلى أعمال القلوب و المعاملة بالباطن و النيات والمقاصد و هذا مقام شريف وعالي منيف لا يفهمه إلا الخواص بالخواص من الخواص كما قيل شعراً: فما يلبس الأقراط من كان أصماً و لا يتحلى أجذم بالخواتم فعلى المريد السالك الزهد في الدنيا كما ذكر، بل حتى في الخلق بالإياس عنهم و عن ما في أيديهم ليلزم القناعة كما قيل: من أراد من الدنيا ما يكفيه فأقل شيء منها يكفيه و من أراد من الدنيا ما يغنيه فكل شيء لا يغنيه. فإذا زهد السالك المريد و قنع كما ذكرنا استراح، و تهيأ لهذا السفر. بل الزهاد أرواح الناس في الدنيا و الآخرة كما قيل شعراً : الزهاد في روحٍ و راحة قلوبـهم عن الدنيا مزاحة إذا أبصرتهم أبصرت قوماً ملوك الأرض شيمتهم سماحة فإذا تم أيها المريد هذا الزهد المذكور بتوفيق الله تعالى و مشيئته، استقامت أحوالك و تمت طاعتك و أعمالك، كما قال الشيخ ابن عطاء في الحكم: حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. فأتتك حينئذٍ الفوائد من ثمرات أعمالك، من فضل الكريم الوهاب، ووردت عن قلبك طرائق الحكم، كما قال الرسول r: (من زهد في الدنيا أربعين يوماً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه). وفي رواية من أخلص لله أربعين يوماً، وفي رواية من أكل الحلال أربعين يوماً. لكن لا يتأتا الإخلاص و أكل الحلال، إلا بالزهد و القناعة و ذلك بتوفيق الله تعالى ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب ). الصحبه و قول الشيخ t يا صاح أي يا صاحب، و في المعنى إشارة إلى الصحبة، و هي من أعظم فوائد السفر دنيوياً كان أو أخروياً. قال r: (الجماعة رحمة و الفراق عذاب). أقول و الله أعلم: إذا اتفقت القلوب و القوالب و تساعدت صارت رحمة، و أما إذا تباينت و تناكرت فالفرقة أولى و العزلة أسلم، كما قيل شعراً: ألا كل من ألهاك عن كسب طاعةٍ عدوٌ و إن كان الصديق المصافيا فالصحبة التي يحصل بها الانتفاع هي صحبة المشايخ العارفين و العلماء العاملين و الإخوان الموفقين و ذلك هم الصوفية. قال شيخ الطائفة الجنيد نفع الله به: إذا أراد الله بالمريد خيراً أوقعه إلى صحبة الصوفية و منعه صحبة القرّاء. و الحاصل أن صحبة الصوفية هي التي تحصل كمال الانتفاع للصاحب دون من عداهم من المنسوبين إلى العلم. لأنهم خصوا بخصائص لم يسامهم فيها غيرهم. و سريان ذلك إلى الصاحب من المصحوب هو غاية الأمل و المطلوب. فقد قيل من تحقق بحالة لم يخل خاطره منها. فمن جلس على دكان العطار لم يفقد الرائحة الطيبة، هذا في الحضور و المجلسة فما ظنك في الصحبة و المؤانسة. و ما أعز هذه الشارة اليوم بل من قادم الزمان، فلذلك حرص المشايخ العارفين على العزلة للمريد بين السالكين. و لكن أقول إن هذه الأمة مرحومة، و الرحمة و السعة و حسن الظن مطلوب على أي حال، خصوصاً و عموماً و الساقي باقي. وقيل في ذلك شعراً: محسن الظن مستريح خاب من ظنه قبيح و قد طال الكلام في ذلك و حق له أن يطول و هو موافق في هذا السفر. الصوم قال الناظم t: أيضاً سككها الصوم في الهواجر يعني سكك هذه الجلبة (أي السفينة) المذكورة الصوم و الجوع، فهو أعظم معونة للسالك لأن بالجوع خمد النفس و ضعف قواها و رعوناتها و شهواتها و هواها المبعدة عن الله تعالى. فينبغي للمريد أن يكسرها بالجوع و يمنعها عن شهواتها و عادتها البهيمية، كما قال الشيخ أبو طالب المكي t : (فإذا أردت أن تملك نفسك فضيق حيلها ولا توسع عليها فإن لم تملكها ملكتك، و إن لم تضيق عليها اتسعت عليك و إن أردت الظفر بها فلا تركن لهواها و احبسها عن معتاد بلاها. فإن لم تمسكها انطلقت بك و إن أردت أن تقوى عليها فاضعفها بقطع أسبابها و حبس موادها و إلا قويت عليك و صرعتك). و قال أيضاً y : لا يكون المريد مريداً حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية، و بأخلاق الشياطين أوصاف المؤمنين، و بطبائع البهائم أوصاف الروحانيين. قلت: و الذي قاله الشيخ أبوطالب إنما يمكن بعد توفيق الله بالصيام و الجوع، لأن فيه ضعف النفس و خمدها كما ذكرنا. كيف و قد قال سيد الأنام محمد المصطفى عليه أفضل الصلاة و السلام: (فإن الصوم له وجاء). و قد قال صلى الله عليه و آله و سلم لعائشة رضي الله عنها: (داومي قرع باب الجنة. قالت بماذا يارسول الله؟ قال: بالجوع و العطش). و قال سفيان t : العبادة حرفة و حانوتها الخلوة و آلاتها المجاعة. و قد قيل أيضاً: أن كثرة الأكل تقل الفهم و العلم. فإن البطنة تذهب الفطنة، و أيضاً فإن فيها قلة العبادة و النشاط و حضور القلب. فإن الإنسان إذا كثر الأكل ثقل بدنه و فترت أعضاؤه و غلبته عيناه، فإن قام و تعبد فلا يجد حلاوة الطاعة و لذة المناجاة، و ذلك لحجاب قلبه عن الملكوت و قوة حواس نفسه و شهواته. و قال بعض العارفين: الجوع رأس مالنا. يعني ما يحصل به من صفاء القلب و تجليه و تلذذه بالطاعة و تعلقه بالمناجاة إلى غير ذلك. و الحمد لله جربنا ذلك فرأينا فيه منافع كثيرة و فوائد غزيرة، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنا على نفسه. و قال بعض الصالحين: إن رداءة هذه النفس و جهلها بحيث إذا همت بمعصية أو انبعثت الشهوة فيها، لو تشفعت إليها بالله تعالى ثم برسوله صلى الله عليه و آله و سلم و جميع أنبيائه عليهم السلام و كتبه و بجميع السلف الصالح من عباده، و تعرض عليها الموت و القبر و الجنة و النار، لا تعط القياد و لا تترك الشهوة، ثم إنك إن استقبلتها بمنع رغيف لسكنت و تركت شهواتها. قلت: و لهذه العلة أمر المشايخ رضي الله عنهم بالصوم و الجوع. و لكن أحذر أيها المريد الإفراط، فلا إفراط ولا تفريط، و خير الأمور أوساطها كما قال الشيخ ابن العربي رضي الله عنه في كتابه تلقيح الأذهان و معرفة الإنسان. قال t : واعلم أن جوع السالك اختياراً فليكن على قدر موزون حتى لا يفرط فيؤدي إلى فساد المزاج والهوس و الوسواس. فلا سبيل للسالك إلى الإفراط إلا بإذن الشيخ و لكن عليه التقليل و تخفيف المعدة. و أحبه أن يكون موزوناً بالنوى أو حصيات يزيد كل يوم قدر نواة أو حصاة لا غير. هذا إن عزم على التقليل رأساً و إلا فليلزم الصيام، و أكلة واحدة في اليوم، و الكيلة وسط، ولا يتعدى في ما ذكرناه في سبيل المريد إن أحب أن يشفع بنفسه. و من كان مع شيخه فقد كفي فليعتمد على قوله فهو أخبر مصلحةً منه. وأما المحقق فلا يجوع نفسه إلى الاضطرار سيما إن كان في مقام الهيبة و كسر الصفاة، فإنه يكثر أكله لشدة سطوات سلطان الحقائق في قلبه بالعظمة و شهودها وهي حالة المقربين. و لكن قد يقـلل عمداً على قصد اللحاق بأهل الأنس. فهو بذلك يجتمع بالسالك، فجوع السالكين ينور القلب و يرقه و هو مفتاح الخيرات، إذ النهمة مفتاح الشرور. و قد قالr : ((الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع و العطش)). و عن عيسى بن مريمu أنه قال: (يا معشر الحواريين جوعوا بطونكم و عطشوا أكبادكم لعل قلوبكم ترى الله تعالى). و به ( أي بالجوع ) ينفتح باب الزهد في الدنيا و هو مطلع الآخرة. انتهى كلام الشيخ ابن العربي رحمه الله. و قد بان لك فائدة الصوم و الجوع و ثمرته فلذلك أمر به الناظم. البلايا و الحزن و المحن قال الناظم t : و طلعوها بأكمل البلايا و الحزن و المحن لها زوايا قال الله سبحانه و تعالى: ( و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين ) و قال تعالى: ( لتبلون في أموالكم و أنفسكم ) و قال r: (إذا أحب الله عبداً ابتلاه فإن صبر اجتباه و إن رضي اصطفاه). و قال r: (المؤمن أمره كله له خير و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له و إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). و روي في حديث عن أبي هريرة و أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله rيقول: (( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب و لا سقم و لا حزن حتى الهم الذي يهمه إلا كفر به من سيئاته)). و اعلم أن الله سبحانه و تعالى أعلم بمصالح عباده في كل ما أراد و قضى و قدر فهو خير لهم كما قال سبحانه و تعالى: (و عسى أن تحبوا شيئاً و هو شرٌ لكم و عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خيرٌ لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون). إن النفس مجبولة على حب الشهوات الحائلة و طلب اللذات الزائلة، و مراد الحق إصلاحهم و اجتباؤهم.، فحينئذٍ داواهم و اجتلاهم و إنما يفعل ذلك بأحبابه ليصطفيهم، كما قال الرسول r عندما سئل أي الناس أشد بلاءً ؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون. و إن أحدهم ليبتليه بالقهر حتى يقتله، و إن كان أحدهم يفرح بالبلاء كما يفرح بالرخاء. و كان بعض السلف الصالحين رضي الله عنهم يستوحشون إذا خرج عنهم يوم لم يصابوا فيه بنقص من نفس أو مال. و قال بعضهم: إنما حمل فرعون إذ قال أنا ربكم الأعلى طول العوافي و الغنى، لبث أربع مائة سنة لم يصدع رأسه و لم يحم جسده و لم يضرب عليه عرق فادعى الربوبية، و لو أخذته الشقيقة ساعة واحدة كل يوم لشغله ذلك عن دعوى الربوبية نعوذ بالله من مكر الله. فإذاً ينبغي للمريد أن يتلقى ما يرد عليه من الابتلاء و المحن بالصبر حتى يحصل له مقام التسليم والرضا و تنقلب المحنة منحة، و حتى يكون قائماً مع الله و بالله منشرح الصدر منور القلب، كما قال سبحانه و تعالى: ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه). قال الشيخ ابن عطاء رحمه الله في لطائف المنن - في أول اجتماعه بشيخه أبي العباس المرسي رحمه الله- : فكان أول ما قلت له: يا سيدي أني و الله أحبك. فقال: أحبك الله الذي أحببتني فيه. ثم شكوت إليه ما أجده من هموم و أحزان. فقال: أحوال العبد أربعة لا خامس لها: النعمة و البلية و الطاعة و المعصية، فإن كنت في النعمة فاقتضى الحق منك الشكر، و إن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر، و إن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود المنة، و إن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار. قال: فقمت من عنده و كأنما كانت تلك الهموم و الأحزان ثوباً نزعته. قال: ثم سألني بعد ذلك بمدة، فقال: كيف حالك ؟ فقلت: أفتش عن الهم فلم أجده. قال سيدنا و ابن شيخنا السيد الشريف القطب أبوبكر بن عبدالله العيدروس باعلوي نفع الله به آمين: كم من أمور في ابتداءها هائلة ثم أعقبها السلامة و الهناء. ترك الشواغل ثم إذا حصل للمريد فوائده المذكورة بمعونة الله و توفيقه، فلا يشتغل إلا بما هو متعلق بسفره و يترك ما سواه، كما قال الناظمt : و من طلبها يترك الحكايا أي من طلب الركوب في هذه السفينة و السفر فيها إلى مطلوبه و مقصوده، فليترك حينئذٍ الحكايا الشاغلة له عن سفره. فلا يكون همه إلا مطلوبه و مقصوده الذي ذكرنا، و يترك كل شيءٍ سواه من الترّهات و الحكايا المذمومة و الأوهام و الخيالات، و لا يلتفت إلى شيء من التواني والغفلة والمناظرة، كما قال الشيخ الناظم t: من رام يركبها فلا يناظر و لا يتوانى بل يبادر و ينهض على أي حال كان، كما قال سبحانه و تعالى: (انفروا خفافاً و ثقالا) أي بالذنوب و الاشتغال و العوائق التي ذكرناها فيما تقدم. فينبغي لك أيها المسافر الطالب أن تبادر إلى الركوب و العزم بالجد و الاجتهاد، وتستعين بالله و ترجع إليه في كل أشغالك و مطالبك، كما قال صاحب الحِكم رحمه الله: من علامات النجاح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات. و قال أيضاً: ما تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك ولا تعسر مطلب أنت طالبه بربك. فينبغي للمريد أن يجتهد و ينهض امتثالاً للأمر و هو معنى قوله إياك نعبد، ثم يستعين بالله و يفنى عن مراده و حوله و قوته. في الشريعة إياك نعبد و الحقيقة إياك نستعين. فعلى العبد الموفق لهذا السفر القيام بهذين الأمرين. فمن أعطيهما فقد أوتي خيراً كثيراً. قال الشيخ ابن عطاء -رحمه الله- في الحكم: متى جعلك في الظاهر ممتثلاً لأمره وفي الباطن مستسلماً لقهره فقد عظّم المنة عليك. فانهض حينئذٍ و استعن بالله كما ذكرنا و لا تسوف كما قال الشيخ ابن الفارض -y - شعراً: عد من قريبٍ و احتسب و اجتنب غداً و شمِّر عن ساق اجتهادٍ بنهضتي وكن ما في الوقت فالمقت في عسى و إياك فهي أكبر علتـي و سر زمِناً و انهض كسيراً فحظك البطالة ما أخرت عزماً لنصيحتي و جُذ بسيف العزم سوف فإن تجد نفساً فالنفس إن جدّت جدتــي فهذا أيضاً موافق لما قاله الناظم –رحمه الله- من عدم المناظرة و التسويف و مع هذا فإن أشغال الدنيا تقتل بعضها بعضا،ً و طالب الفراغ منها مغرور، و إنما عليك أن ترميها على أي حال كان، كما قيل شعراً: ارم بالقيود فلا عاش منه مقيَّد فالعاقل يترقب الموت في كل نفس فماله و للمناظرة لهذه الفانية، و إنما شغل العاقل فيما خُلِق له، و إنما خُلِق لهذا السفر المذكور، الذي فيه مرجعه إلى موطنه الأول، من غُربة الأكوان إلى حضرة الرحمان، و هذا هو غاية المطلوب و المراد الذي عناه الشيخ الناظم رضي الله عنه. النظر في الربح وعدم الالتفات إلى الأخطار قال الناظم t: إن رام مـا راموه أهل الأسفار خاطر و الربح ربـح الاتجــار و لا يحسب ضرها و الأخطار و الربح في المعنى لـمن يخاطـر قوله إن رام أي طلب ما طلبوه أهل الأسفار في سفرهم من الفوائد و الغنائم و هذا يحتمل السفر بين طلب الدنيا و طلب الآخرة، أما ترى أهل الدنيا كيف يخاطرون بأرواحهم و أموالهم و يسافرون في ركوب البحار و قطع الفيافي و القفار، فترى الواحد منهم يمضي عمره كله في السفر. و إنما جره إلى ذلك طلب الفائدة الخسيسة، و أيضاً مع هذا إذا حصلت له أدنى فائدة فرح و استغنم و نسي ما لاقاه من التعب و النصب و الضر و الأخطار. و أنت أيها الطالب الراغب المسافر في طلب السعادة في الدنيا و الآخرة و القرب من الله، فخاطر فيما تطلب ولا تجزع ولا ترتاب، ولا يمنعك عن نهج الصواب لوامع السراب فتحرم الشراب بلا عزم كما ذكرنا. و توكل على الله في سفرك ولا تحسب ضر هذا السفر ولا الأخطار كما قال الناظم فيما تقدم. و قوله أيضا ( و الربح ربح الاتجار): أي كثرة السلع و الأموال. فأنت أيها المؤمن إنما سلعتك نفسك و روحك و أهلك و مالك فأسلمهم لخالقهم المانّ عليك، أولاً بالإيجاد، و ثانياً بالمشترى و توالي الإمداد، كما قال عز و جل: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة). واعلم أن الجنة جنتان كما قال الله تعالى: (و من دونهما جنتان). هما جنة العرفان و جنة الولدان. جنة الولدان لأهل اليمين و البلاء و الصبيان. و جنة العرفان مطلب الكُمَّـل من الأنبياء و الأولياء و الصديقين المقربين رضي الله عنهم أجمعين. و هذا هو المرام العالي لأهل الهمم في طلب المعالي. و هو عز الدنيا و الآخرة الذي ذكره أبو الحسن الشاذلي t في الحزب الكبير: نسألك عز الدنيا و الآخرة، عز الدنيا بالإيمان و المعرفة، وعز الآخرة باللقاء و المشاهدة. فهذا هو الربح الذي هو في المعنى لمن يخاطر. طلب العلم و قول الناظم t: و قيـدوا سكانـها بعلـمين ظاهر و باطن مجتهد باثنين يذب عن قلبي غياهب الرنين و باطنه أول و كان آخـر أي تقيد الجلبة (السفينة) المذكورة بالسكّـان[2] لتسلم من الزيغ و الشطط و تستمر في سيرها. أما إذا لم يكن سكان فلا تنجح في سيرها ولا تصل إلى البندر المقصود و ربما هلكت و انكسرت و هلك ما فيها و من فيها. فهكذا هذه السفينة إذا لم تكن مقيدة بعلمين ظاهر و باطن كما قال الشيخ يحير سالكها و يتعوق في سيره و سفره و صار يخبط خبط عشواء في ظلم الجهل، و الذي يفسده في اجتهاده أكثر مما يصلحه. و أما إذا اجتهد بالاثنين كما قال الشيخ أي بالعلمين فقد أتى البيوت من أبوابها فيوشك أن ينجح في سفره و يتيسر و يستقيم و يهتدي إلى الصراط المستقيم. فالعلم الظاهر ما يجب عليك من معرفة أحكام الظواهر من العبادات الظاهرة، من الصوم و الزكاة و غير ذلك من معرفة الحلال والحرام، و كذلك علم العقائد. بل إن علم العقائد مقدم على جميع ما ذكرناه من علم الظاهر، لقوله صلى الله عليه و آله وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمداً عبده و رسوله و أقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و حج البيت من استطاع إلى ذلك سبيلا). فيجب عليك حينئذٍ أن تعلم ما يجب في حق الله و ما يجوز و ما يستحيل، و ذلك مشهور في عقائد أهل السنة. و قد ذكرناه في عقيدتنا المنظومة [3]التي أولها: شهدت بأن الله أول أولا و لم يخلق الأشياء إلا تفضلا و فيه ظاهر و باطن فلا نطول بذكره. و أما العلم الباطن الذي ذكره الشيخ الناظم t أيضاً على قسمين. ذكر الشيخ أبو حامد الغزالي t في الإحياء في القسم الأول علم المكاشفة. و هو علم الباطن و هو غاية العلوم. فقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه من سوء الخاتمة، و أدنى النصيب منه، التصديق به و تسليمه لأهله. و قال آخر: من كانت له خصلتان لم يفتح له شيء من هذا العلم: بدعة و كبر. و قيل: من كان محباً للدنيا أو مصراً على هوى، لم يتحقق به، و قد يتحقق بسائر العلوم. و من ينكره لا يرزق منه شيئاً. و هو علم الصديقين و المقربين. انتهى قول الغزالي و فيه تطويل اقتصرنا منه على ما ذكر طلباً للاختصار. و أما القسم الثاني الذي ذكره الشيخ في الإحياء بقوله و هو علم المعاملة بالباطن، و هو علم أحوال القلب، ما يحمد منها وما يكره. مثل الصبر و الشكر و الخوف و الرجاء و الرضا و الزهد و التقوى و القناعة و السخاء و معرفة المنة لله في جميع الأحوال إلى غير ذلك. و كذلك العلم بصفات المنافقين و هي الصفات المذمومة كالرياء والعجب و الغل والحسد و الحقد إلى غير ذلك أيضاً. فيجب عليك التخلي عن هذه الصفات المذمومة و التحلي بالصفات المحمودة، و هذا هو معنى العلم الباطن الذي ذكره الشيخ الناظم. ثم اعلموا أن العلم هو أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى كيف و العلماء ورثة الأنبياء. و لهذا قالr : ( إن نوم على علم خير من صلاةٍ على جهل) إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية و الآيات القرآنية. و كل ما ورد في الكتاب والسنة بفضل العلم و العلماء، لا يرجى حصوله إلا لمن صحت نيته بأن يكون طلبه مرضاة الله، و استعمال العلم فيما يقرب إلى الله من العبادات والمعاملات و الخروج من ظلمة الجهل إلى نور العلم. فهذه النية إذا صحت هي التي تحمد عاقبتها آجلاً و تجنى ثمرتها عاجلاً، و هي مطلوبة في كل حين وأوان. قال رسول الله r : (كل يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز و جل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم). و العلم النافع يورث الخشية، كما قال عز و جل: (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) و قال الشيخ ابن عطاء رحمه الله في الحكم: العلم إذا قارنته الخشية فلك و إلا فعليك. و قال الشيخ ابن عباد رحمه الله أيضاً في شرح الحكم: العلم النافع المتفق عليه فيما سلف و خلف الخشية و ملازمة التواضع و التخلق بأخلاق الإيمان و توافق الإسرار و الإعلان، إلى ما يتبع ذلك في بغض الدنيا و الزهادة فيها و إيثار الآخرة عليها و الموالاة في الله و المعاداة فيه، و الحرص على تفطن الأسباب الباعثة على الاستقامة و لزوم الأدب بين يدي الله تعالى فيراعيها طلباً، و معرفة الأسباب الصادة له عن ذلك فيوسعها رفضاً و هرباً. إلى غير ذلك من الصفات العلية و المنائح السنية فبهذا كله تحصل فوائد العلم و ثمراته الدنيوية و الأخروية. فإن خَلِي طالب العلم عنها أو عن بعضها فإن ما كان يطلبه علماً حقيقياً كان حجةً عليه، و إن كان رسمياً كان وبالاً واصلاً إليه و العياذ بالله من ذلك. انتهى قول الشيخ ابن عباد و هو في غاية الحسن و الكمال. فبان لك أيها المسافر هؤلاء العلمين الظاهر و الباطن. فاجتهد بهما في سفرك، وقيد بهما سفينتك لتصل إلى مطلوبك و مقصدك و تسلم من الزيغ و الشطط، و تذهب عنك غياهب الرين، و هي الشكوك و الظنون الفاسدة الحائلة الزائلة، و تنظر بنور العلم و تخرج من ظلمة الجهل و تحصل على علوم لا يمكن تسطيرها، كما قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم) هذا العلم هو غاية المطلوب الذي أشار إليه الشيخ tبقوله ( و باطنه أول و كان آخر). و قد أوحى الله في بعض الكتب: (يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به و لا في تخوم الأرض من يصعد به ولا من وراء البحر من يعبر به فيأتي به، العلم مجهول في قلوبكم تأدبوا بين يدي تأدب الروحانيين و تخلقوا بأخلاق الصديقين، أظهر العلم في قلوبكم حتى يغطيكم و يغمركم). انتهى، و هذا هو علم المكاشفة الذي ذكره الشيخ الغزالي فيما نقلنا بعض كلامه من الإحياء، و هو بحر عميق لا يوجد له قعر، فلا يعثر عليه إلا من وفقه الله إلى الاستقامة بالعلم و العمل و الإخلاص، فتنكشف له علوم و معارف و أحوال و غير ذلك على ما قسم له في الأزل بإذن الله الواحد الصمد وما ذلك على الله بعزيز. التوكل قال الشيخ t : هذا التجهز بحره التوكل عمارة التجهيز للتوصل أي تجهيز هذه الجلبة المذكورة مما تحتويه من هيراب و ألواح و غير ذلك مما ذكره سيأتي. و قوله( بحره التوكل) إذ المسافر في البحر لابد أن يكون متوكلاً بالضرورة حساً و معنى خصوصاً في هذا السفر الخطر، لكثرة فظائعه الباطنة و الظاهرة. و من أعظمها أربعة ذكرها الشيخ أبو الحسن الشاذلي tفي قوله: إنـي بليـت بأربعٍ يرميننـي بالنبل عن قوس له توسر إبليس و الدنيا و نفسي والهوى أنت على الخلاص قدير فينبغي للسالك المسافر في هذا البحر التوكل و الاستعانة بالله كما تقدم عند قوله و لا يحسب ضرها والأخطار وهو موافق لهذا المعنى. كيف و قد أمر الله سبحانه و تعالى بالتوكل فقال عز من قائلٍ كريم: (و على الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) و أمر بالاحتساب على ذلك فقال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه، أي كافله و كافيه و موفقه في أمور الدنيا والآخرة. و التوكل هاهنا في أمرين: في الرزق المضمون، و السفرين المذكورين. أما في أمر الدنيا فقد قال الرسول r : (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً و تعود بطانا). و قال سبحانه و تعالى: (وفي السماء رزقكم و ما توعدون) ثم أقسم بقوله تعالى (فورب السماء والأرض إنه لحقٌ كما أنكم تنطقون) و الآيات و الأحاديث كثيرة في التوكل و فضله، و لا على هذا مزيد لمن ألقى السمع و هو شهيد. و أما التوكل المعنوي في هذا السفر المذكور، فإليه الإشارة بقوله عز و جل: (و على الله قصد السبيل و منها جائر) وقوله تعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ثم اعلم أنه لا بد للمسافر السالك في البحر المتوكل فيه من السعي و الجد كما قال الله تعالى: (و أن ليس للإنسان إلا ما سعى) و قوله في الآية السابقة و الذين جاهدوا، فأمر بالمجاهدة أولاً ووعد بالهداية ثانياً فقال لنهدينهم سبلنا. و قال الشيخ سعد بن علي تاج العارفين نفع الله به: الرزق رزقان: رزق القلوب، و رزق الأجسام. فطالب رزق القلوب مرزوق الإثنين. أما طالب رزق الأجسام يعيش كالبهيمة. و فيه كلام طويل اقتصرنا منه على هذا و هو موافق لما نحن بصدده. فبان لك أنه لابد من السعي و الجد الاجتهاد و التوكل على الله و حسن الظن في التيسر إلى الوصول و توالي الإمداد. فحق على العبد الوقوف على الباب و على الله سبحانه و تعالى كشف الحجاب. و قول الناظم رحمه الله: عمارة التجهيز للتوصل أي أن توكل السالك المسافر في هذا البحر، فإن صح توكله و إيقانه حصل له التوصل و الوصول إلى مقصده و مطلوبه بإذن الله تعالى و تيسيره و هدايته، و أتته النفحات و المواهب بالأرباح الطيبة الوطية والأمواج الساكنة الهنية. الترقي في المقامات وأمست تنقل غاية التنقل يجرها سابات دمع سابر وأمست أي الجلبة المذكورة تنقل غاية التنقل أي تترقا و تنزل من مقام إلى مقام بتيسير الملك العلي. يجرها سابات و السابات هنا كناية أيضاً عن السابات الحسية لكنها مصحوبة بالتيسير و الإمداد و الأرياح الطيبة كما ذكرنا. بخلاف السابات الحسية. وقوله دمع سابر و الدموع هنا مختلفة: دمعة من خوف العذاب، و دمعة من خوف الفوات للخواص، و دمعة الشوق لخواص الخواص أهل اليقين و الإخلاص، لا حرمنا الله و إياكم هذه الموارد بحق الله الكريم الماجد. نحول الجسم و صلاة الليل قال الناظم t : صفوا مزاهيها بصف الأقدام جعلوا نحول الجسم وسطها أعلام صلاتهم بالليل وقت الإظلام يخاطبـون الرب و هـو غافـر أي صفوا مزاهي هذه الجلبة بصف الأقدام بكثرة الصلاة و القيام فيها. و قوله: ( جعلوا نحول الجسم وسطها أعلام) فقد تقدم معنى ذلك في الجوع و الصوم. و قوله( صلاتهم بالليل وقت الإظلام) أي ظلام الليل و هدوء الأصوات و الحركات و الخلوة بالحبيب و التلذذ و التملق بالمناجاة. كما قال: (يخاطبون الرب و هو غافر) أي يغفر لهم ما اكتسبوه في نهارهم من اللغو مع الخلق، كما قال سبحانه و تعالى: (و الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش إلا اللمم) فإذا تابوا إلى مولاهم و رجعوا و شكوا إليه، قبلهم و تولاهم و ناداهم و صافاهم. روي في صحيح مسلم أن النبي r قال: (إن لفي الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيراً من أمر الدنيا و الآخرة إلا أعطاه و ذلك كل ليلة) و في الصحيحين أنه صلى الله عليه و آله و سلم قال: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له). قلت: هذه الساعة في كل ليلة، مثل ليلة القدر في كل سنة و هي مبهمة في الليل أيضاً. فلذلك أُمِر بقيام الليل لطلب المغفرة و مناجاة الحبيب. و في التوراة: (يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصلياً باكياً، فأنا الله الذي اقتربت من قلبك، و بالغيب رأيت نوري). فكان القائمون يرون تلك الرقة والبكاء و تلك الفتوح التي يجدها المصلي في قلبه من دنو الرب من القلب. و قيل دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، و خلاء البطن، و قيام الليل، و الإستغفار بالأسحار، و مجالسة الصالحين. و قال محمد بن علي الترمذيt : دعا اللهُ تعالى الموحدين إلى الصلوات الخمس رحمةً منه عليهم، و هيأ لهم فيها ألوان الضيافات، لينال العبد من كل قولٍ و فعلٍ شيئاً من عطاياه، فأفعال كالأطعمة و أفعال كالأشربة و هي غرس الموحدين، هيأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات حتى لا يبقى حس ولا غيار. انتهى في هذه الصلوات المفروضات. و مراد المؤلف القيام بالمسنون، لكنه بعد أحكام الفروض و الرواتب المؤكدة. و قد أمر الله تعالى " نبيه محمد r : " بقيام الليل فقال: (و من الليل فتهجد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) و قال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (قام رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى تفطرت قدماه. فقيل له: أليس قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر. فقال صلى الله عليه و سلم: أفلا أكون عبداً شكوراً) و قال صلى الله عليه و آله و سلم: (ركعتين يركعهما العبد في جوف الليل الأخير خير له من الدنيا و ما فيها، و لولا أن أشق على أمتي لفرضتها عليهم) و فضل قيام الليل لا يحصى. ثم اعلم أنك لن تحصل على فوائد الصلاة إلا بقيامها المأمور به، كما قال الله تعالى: ( و أقم الصلاة لذكري) و هو حضور القلب و تفريغ البال عن الأغيار و الخشوع "في" الصلاة. و أما الذكر و القراءة مع اشتغال القلب بالوسواس و الأغيار فقليل التأثير في صفاء القلب و " تهيئته " للمناجاة. فكيـف يليق بك أيها المؤمن أن تناجي ربك: إياك نعبد و إياك نستعين و قلبك غافل و داوي في أدوية الوسواس الشيطانية و النفسانية و الدنيوية، أعاذنا الله من ذلك. و قال الشيخ أبو طالب المكي t حديث: إن المؤمن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرضيين خوفاً منه و لهيبتها من الدخول على الملك، فإن كبر حجب عنه إبليس و ضرب بينه و بينه سرادق لا ينظر إليه، و واجهه الجبار بوجهه الكريم، فإذا قال الله أكبر اطلع الملِك في قلبه فإذا ليس في قلبه أكبر من الله تعالى، فيقول له الملك: صدقت، اللهُ في قلبك كما تقول. قال: فيشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش، فيكشف له بذلك النور الملكوت، و يكتب له حشو ذلك النور حسنات. قال: و إن الغافل و الجاهل إذا قام للوضوء، احتوشته الشياطين كما تحتوش الذباب على نقطة العسل، فإذا اطلع الملك في قلبه فإذا كل شيء في قلبه أكبر من الله عنده. فيقول الملك: كذبت ليس الله في قلبك كما تقول. قال فيثور من قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجاباً لقلبه عن الملكوت. قال فيرد ذلك الحجاب صلاته و يلتقم الشياطين قلبه و لا يزال ينفخ فيه و ينفث و يوسوس إليه و يزين له حتى ينصرف من صلاته ما يعقل ما كان فيها. انتهى قول أبي طالب المكي t. فإذا اجتهد المؤمن بتفريغ خاطره و باله عن الأغيار كما ذكرنا و سلم من هذه الآفات بتوفيق الله حصلت له في صلاته و مناجاته التجليات و المنوحات الغيبيات و الأنوار الإلهيات. فيحصل له الرقة و البكاء إلى غير ذلك من الفوائد و العوافي و طهارة القلوب من أدناس الذنوب. قال الشيخ ابن عطا –رحمه الله- في الحكم: الصلاة طهارة للقلوب واستفتاح لباب الغيوب، و الصلاة محل المناجاة و معدن المصافاة، فإنها تتسع فيها ميادين الأسرار، و تشرق فيها شوارق الأنوار. و ذكر الشيخ أبو حامد الغزالي t عن بعض العارفين: أن الله تعالى ينظر في الأسحار إلى قلوب المستيقظين فيملأها بالأنوار، فترد الفوائد على قلوبهم فتسير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين. و قال بعض العلماء من القدماء: إن الله تعالى أوحى إلى بعض عباده الصديقين، أن لي عباداً يحبوني و أحبهم و يشتاقون إلي و أشتاق إليهم و يذكروني و أذكرهم و ينظرون إلي و أنظر إليهم، فإن حذوتَ طريقهم أحببتك، و إن عدلت عنهم مقتّك. قال: يا رب و ما علامتهم ؟ قال: يراعون الضُلاّل بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، و يحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، فإذا جنهم الليل و اختلط الظلام و خلا كل حبيبٍ بحبيبه، نصبوا إلي أقدامهم و افترشوا إلي وجوههم، و ناجوني بكلامي تملقوني بإنعامي، فهم بين صارخٍ و بارك، و بين متأوهٍ و شاكي، بعيني ما يحتملون من أجلي و بسمعي ما يشكون من حبي. و لأول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم، و الثاني لو كانت السماوات السبع و الأرضيين و ما فيهن في موازينهم لاستقللتها لهم، و الثالثة أقبل بوجهي عليهم، افترى من أقبل بوجهي عليه أيعلم أحدٌ ما أريد أن أعطيه. و اعلم رحمك الله أيها الأخ لا تستبعد ما ذكروه، و لا تكسل بل اعزم على القيام كيف كان، فالقليل يجر الكثير، و أول السيل قطرة، فعليك بالاهتمام و العزم. العزم القوي قال الشيخ الناظم t : و انصبوا العزم القوي دقلها و قد تقدم معنى ذلك عند قوله أيضاً من ركبها فلا يناظر بل يعزم و يجتهد كما ذُكِر. التسمية بالله و قول الناظم t : و حملوها باسم من حملها أي السفينة حساً و معنى، و هو معنى قول الله تعالى: ( باسم الله مجريها و مرساها ) و قوله رضي الله عنه: دستورها الوجه الذي شملها و الوجه و الموجهات هي عين الله المنزهة المقدسة، كما قال الله تعالى: ( تجري بأعيننا ) بالحراسة و الوقاية الشاملة من الله تعالى. احتراق القلب و حزنه قال الناظم t : و فرملها حريق زاخر و الحريق هن و الله أعلم هو احتراق القلب و حزنه على ما فاته من الموافقة لمرضاة الله تعالى، و ربما يكون احتراق المحبة و خوف فوات المحبوب، و ربما يكون غير ذلك. قال الشيخ حسن بن أحمد باشعيب الحضرمي t : بكية على الله خير من سبعين بكية على الأوامر و النواهي. و هذا البكاء إنما هو بالقلب و قد يكون بالظواهر أيضاً. اليقين الصادق و قوله t : و طلعوا الفنجر يقين صادق و الفنجر يسمى أيضاً الفنجري و هو الذي يطلع على رأس الدقل، و يعلم أن له "من برا و حيال" أو غير ذلك و شرطه أن يكون صادقاً مأموناً لا يشك فيما قاله و في كل ما قاله، إنما يكون يقينٌ و صدقٌ، فحق على فنجر هذه السفينة أن يكون صادقاً في أقواله و أعماله و أحواله، و أن يكون صاحب يقين بما وعد الله سبحانه و تعلى به العاملين الصادقين، ليصل بذلك إلى علم اليقين ثم عين اليقين بل إلى حق اليقين، و للشيخ t كلام كثير في هذا المقام فلا نطول بذكره، كيف و هذا كتاب الله تعالى و كلام رسوله r كافيان لمن تدبرهما و تأملهما بعين قلبه. النور البارق و قوله t : عجلها يا صاح نور بارق و هذا أيضاً نور اليقين يقذفه الله في قلب المؤمن، كما قال سيدنا علي بن أبي طالبt و كرَّم الله وجهه: لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقيناً. و منها أيضاً أنوار المعارف و العلوم إلى غير ذلك من أنوار اله تعالى النازلة بقلب العبد المؤمن على حسب استعداده و تفريغه من الأغيار، كما قال صاحب الحكم ابن عطاء t: أفرغ قلبك عن الاغيار يملأه بالمعارف و الأسرار. و قال أيضاً: الأنوار عطايا للقلوب و الأسرار. و قال: ورود الإمداد على حسب الاستعداد، و شروق الأنوار على حسب صف الأسرار. و هذا كله متعلق أيضاً بنور اليقين المذكور. الحقائق و قوله t : رواجع ترجع إلى الحقايق و هو مقام التوحيد الصرف، قال الشيخ ابن عَبّاد t : اتفقت مقالات العارفين و المحققين و إشاراتهم و مقاصدهم على أن ما سوى الله عَدَمٌ محض، من حيث ذاته لا يوصف بوجود مع الله، قال الله سبحانه و تعالى: ( كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وَجهه ) و قال r : أصدق شيءٍ قاله الشعراء: ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطلٌ و كل نعيمٍ لا محالةَ زائلُ و قال بعض العارفين: إن المحققين لن يشهدوا غير الله لم حققهم به من شهود القيومية و إحاطة الديمومية. و قال الشيخ ابن عطاء رضي الله عنه في التنوير: فما سوى الله عند أهل المعرفة لا يوصف بوجود و لا فقدان، إذ لا يوجد معه غيره لثبوت أحديته، و لا فَقْدَ لغيره لأنه لا يفقد إلا ما يوجد، و لو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد العيادة و لأشرق نور الإيقان فغَطَّى وجود الأكوان. و كما قال الشاعر: قل الله و ذر الوجود و ما حوى إن كنت مرتاد بلوغ كمال فالكل دون الله إن حققته عدمٌ على التفصيل و الإجمال و اعلم بأنك و العوالم كلها لولاه في بحور الإضمِحْلال من لا وجود لذاته من ذاته فوجوده لولاه عين محال العارفون فنوا و لم يشهدوا حقاً سوى المتكبر المتعال و رأوا سواه على الحقيقة هالك في الحال و الماضي و الإستقبال و حاصل هذا كله أن ما سوى الله عدم في الحقيقة، كما ذُكِر: كان الله ولا شيء معه و هو الآن على ما عليه كان. عمارة القلب و قول الناظم t : أيضاً و صباحي قُلَيبٌ عامر أي معمور بنور التوحيد و اليقين و الإيمان، كما قال الشيخ سعد بن علي تاج العارفين t : (لو ظهر نور المؤمن على العرش لاحترق). و قال الشيخ أبو الحسن t: لو كشف عن نور المؤمن الفاجر العاصي لطبق ما بين السماء و الأرض. فما ظنك بنور المؤمن المطيع، و عمارة القُلَيْب الذي ذكر الشيخ إنما يكون بهذه الأنوار المذكورة الباطنة، ثم تظهر على الجوارح بالأذكار الظاهرة و الأوراد و الحظور مع الله و الخشوع و الذبول، فمن حصَّل هذا فقد عَمر قلبه قلبه و استنار و عاش عيشاً ناعماً عاجلاً و آجلاً في الدنيا و الآخرة. فياله من قلب ما أحباه لقد حظي بالقرب من مولاه فأمده بأنواره و تولاه. ثم إن النور لا يغيب من القلب أبداً، كما قال الشاعر: إن شمس النهار تغرب بالليل و شمس القلوب ليس تغيب و أيضاً إن الشمس و القمر يطرا عليهما الكسوف و الغروب و أنوار قلوب أولياء الله لا كسوف لها و لا غروب لأن ذلك النور المستودع في القلوب مدده الأنوار الواردة من عالم الغيوب. المحبة و الهوى وقوله t: شراعها يشرع إلى المحبة يفوح من ريح الهوى بهبة و الشراع هو الذي يحمل الخشبة و لا يحصل المسير إلا به، فصارت المحبة حينئذٍ شراع الخشبة لأن من أحب شيئاً اجتهد في طلبه، و بذل روحه و ماله في مرضاته، و المحبوب على التحقيق هو الله سبحانه و تعالى، إذ لا يستحق المحبة غيره، كيف و هو المتفضل على خلقه بالإيجاد و توالي الإمداد دنيا و أخرى، و متحبب إليهم بإحسانه و متفضل عليهم بامتنانه، فلا يستحق المحبة غيره عند من له قلب، و علامة المحب ما ذكرنا من بذل المجهود في رضا المحبوب و ما يقرب إليه، و بذلك يصل إلى أحوال عجيبة من أحوال المحبين الصادقين. قيل لبعض المحبين – و كان قد بلغ المجهود في بذل ماله و نفسه حتى لم يبقَ منه بقية - : ما كان سبب حالك هذا في المحبة؟. قال كلمة: سمعتها من خلق الخلق. قيل: و ما هي؟ قال: سمعت محباً خلى بمحبوبه و هو يقول: أنا و الله أحبك بقلبي كله و أنت تعرض عني بوجهك كله. فقال له المحبوب: إن كنت تحبني فأي شيء تنفق علي؟ فقال: سيدي أُمَلِّكك ما أملك ثم انفق عليك روحي حتى أهلك. هذا خلق الخلق و عبد العبد فكيف، بخلق الخالق و عبد المعبود. قيل: أوحى الله إلى عيسى u: أني إذا اطَّلعت على قلبِ عبدٍ فلم أجد فيه حب الدنيا ملأته من حبي. قلت: فهذا المحب الصادق أخرج كل شيء من قلبه سوى محبوبه، و أما من ادَّعى المحبة و لم يظهر عليه شيء منها مما ذكِر فهو كذاب في دعواه متخذٌ إلهه هواه. و قيل أيضاً: أوحى الله إلى داود u: يا داود، إني حَرَّمت على القلوب أن يدخلها حبي و حب غيري. ثم إن هذه المحبة أصلها و منشأها من محبة الله تعالى، كما قال عز من قائل: (يحبهم و يحبونه) فمن سبقت له المحبة بالعناية الأزلية و المواهب السرمدية، فحصلت منه المحبة حينئذٍ ضرورةً من غير تكلف و لا تصنع، فبادر في مرضاة محبوبه لا محالة، و ظهرت عليه أحوال المحبين من اللهج بذكر المحبوب و الهيام و الشوق فيحمله على ما ذُكِر، هذا هو نور الهوى المذكور، إلى غير ذلك. و للمشايخ - نفع الله بهم آمين- أقوال كثيرة في المحبة فلا نطول بذكرها. و المحبة هي غاية المطالب و بُغْية الآمال و المآرب. الاعتماد على الله تعالى و قول الناظم t: لما رفع قلعه فكان حسبه إله أعلم بأغمض السرائر هذه الكلمة مطلوبة في كل أحد خصوصاً مسافري البحر حِساً و معناً، لأن من كان بين تلاطم الأمواج و اختلاف الرياح فلا له حيلة في التخلص من ذلك إلا بالله سبحانه و تعالى. أما ترى خليل الرحمن إبراهيم عله السلام لما طرح في المنجنيق و رمي به إلى النار فقال :حسبي الله. فتلقاه جبريل عليه السلام ابتلاءً من الله ليظهر صدق قوله. فقال له: ألك حاجة ؟. فقال عليه السلام: أما إليك فلا. و في قولٍ حسبي من سؤالي علمه بحالي. و لقد صدقu في قول: حسبي الله سراً و علانية. و هذا هو حقيقة قول الناظم: فكان حسبه إله يعلم بأغمض السرائر. المجاهدة و الصدق قال الناظم t: و طلعوا الجهد القوي رُبّان على بساط الصدق و التمكان يقول بألحان و أي ألحـان إنـا إلى مقصودنـا نسافـر و قد ذكر المجاهدة فيما تقدم. و قول الشيخ طلعوا الجهد القوي ربان، و هو بذل المجهود للحصول على المقصود، كما قيل شعراً: فلا يشاهـد غير من يجاهد قال شيخنا و مولانا القطب الشيخ عبدالله بن أبي بكر العيدروس – نفع الله به- في بعض وصاياه: لا تحسب أن هذا السر محصول عليه بل هو مبذول لكل من اراد، لكن من حام حول المزابل لم يعثر على شيء من هذا السر. أما من شمّر عن ساق الجد و اجتهد فلا بد أن يعثر على شيء من هذا السر، و الكنوز كل الكنوز في دعائم الاجتهاد. انتهى. قلت: و الاجتهاد بالعلم و العمل والكتاب والسنة هو المطلوب الحق منك أيها العبد، كما قال الله سبحانه و تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده). و ذلك على بساط الصدق و التمكن، و هو إخلاص العمل لله تعالى و إفراده بذلك، عارياً عن الحظوظ الدنيوية و الأخروية، و أن تشهد قيامك بالله و لله. هذا هو التمكان المذكور، (رب أدخلني مدخل صدقٍ و أخرجني مخرج صدقٍ و اجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً) و قال الشيخ ابن عطاء t: مطلب العارفين من الله الصدق في العبودية و القيام بحق الربوبية. و قال أيضاً رضي الله عنه: خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك، و هو الجهد و الانقياد العاريان من الحظوظ و طلب الأعواض و الأغراض. و قوله –أي الناظم- : ( بألحان و أي ألحان) و هي النغمات المشقة المبهجة إلى المقصود، كما قال: ( إنا إلى مقصودنا نسافر)، و هو وصل الحبيب و الأنس و التقريب و السفر من عالم الأجساد إلى عالم الأرواح، لأن الإنسان غريب بروحه في هذا الجسم الكثيف و العالم الكثيف، فوجب علينا حينئذٍ السفر إلى موطنه الأول. الذوق و الحب و الأشواق قال الناظم t: و سـافرت في بحـر الأذواق يجرها نور الهوى و الأشواق أمست إلى وصل الحبيب تشتاق تـروم بندر فائق البنــادر لما كان الإنسان غريباً في هذا العالم كما ذكرنا، بروحه حبٌ إلى وطنه و حق له ذلك، و دخل في لُجج بحر الأذواق، يجره نور الهوى و الأشواق، أمسى و أصبح يقظةً و مناماً همةً و اهتماماً إلى وصل الحبيب المذكور، تشتاق بالشين المعجمة و تستاق بالسين المهملة أي أن السفينة تنجر و تسير إلى مرامها و مقصدها كما تروم بندر فايق البنادر، ياله من بندر لا ينبغي السفر إلا إليه و لا التعريج إلا عليه كما ذكرنا في أول الكتاب، و كيف لا يكون ذلك و هو فايق البنادر، كما قال الشيخ الناظم و فيه مجمع السرور و أوفر الجزل و الحبور، قال الشيخ السودي نفع الله به، آمين: سافـر عن الأكوان يا موفـق إن شئت تشرب خندريس مروق فيه لأرباب السقام مرهـم و قال أيضاً في غيرها: نسافر إلى حضرةٍ عليا مقدسة تصح من ألم الأغيار و النصبِ بندر القرب و هذه الحضرة إنما توجد في هذه البنادر و هو الذي عناه المؤلف بقولهt : بـندر القُربة هناك دانــي تطرح بروحي أكبر المعانـي و هذا البندر هو غاية مطلب المسافرين المتوجهين و هو محل المواجهة و المفاتحة و المجالسة و المحادثة بحضرة القدس المقدسة عن الكونية و الأيْنِية محل القرب و التقريب و الأنس والترحيب. و قوله داني أي قريب، قال تعالى ثم دنا فتدلى) فهذه هي الحياة الدائمة الباقية في الدنيا والآخرة. و هي حياة الروح الإنساني بنفخ الروح الرباني، كما قال الشيخ السودي t: و لا تكن عن حياة الروح مشتغلاً بالترهات، فما هذا من الأدب. فلما حصل لهذا المسافر التيسير و المعونة من الله، و وصلت السفينة إلى هذا البندر المذكور طرحت بروحي أكبر المعاني، بكل عن العبارة كما قيل ما هي إلا معاني لا تسعها العبارة، إلى غير ذلك من المنح و التقريب و الأنس و الاتصال بالحبيب. الوصول قال الناظم t: واصل مُمتَّع غاية الأماني و أمست تهنا بأحسن البشائر و هذا الوصول ليس منك أيها العبد إذ جلّ الخالق أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء. قال الشيخ ابن عباد tفي شرح الحكم: الوصول إلى الله تعالى الذي يشير إليه أهل هذه الطريقة هو الوصول إلى العلم الحقيقي بالله تعالى، و هذا هو غاية السالكين و منتهى السايرين و أما الوصول المفهوم من الذوات فهو متعالي عنه. انتهى. قلت: و غاية الوصول المذكور هو الدهشة و الحيرة و العجز عن إدراك الإدراك. و قال الشيخ أبو حفص عمر بن محمد بن عبدالله السهروردي صاحب كتاب عوارف المعارف رحمه الله: و اعلم أن الاتصال و المواصلة الذي أشار إليها الشيوخ و كل من وصل إلى صفوة اليقين بطريق الذوق و الوجدان، و هو رتبة في التجلي، فيفنى فعله و فعل غيره لوقوفه مع فعل الله تعالى. و يخرج في هذه الحالة من التدبير و الاختيار، و هذه رتبةٌ في الوصول. و منهم من يوافق في مقام الهيبة و الأنس، بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال و الجمال، و هذا التجلي بطريق الصفات، و هي رتبة في الوصول. ومنهم من ترقى مقامه إلى مقام الفَنا مشتملاً على باطنه أنوار اليقين و المشاهدة عن وجوده، و هذا ضربٌ من تجلي الذات لخواص المقربين و هذه رتبة في الوصول. و فوق هذا رتبة حق اليقين، و يكون ذلك من الدنيا لمحٌ و هو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى بها روحه و قلبه و نفسه حتى قالبه، و هذا من أعلى درجات الوصول. فإذا تحققت الحقائق بعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه في أول المنزل، ثانيه الوصول هيهات منازل الطريقة الوصول لا تنقطع أبد الأبد في عمر الآخرة الأبدي فكيف في العمر القصير الدنيوي. انتهى قول الشيخ السهروردي. و هو موافق لمعنى ما ذُكِر، فمن حصل له شيء من هذه المراتب المذكورة في الوصول فقد وصل إلى منتهى الأماني و غاية التقريب و التداني فحق له أن يهنى بأهنى البشائر، و كيف لا يكون كذلك و قد قال عز من قائل في حق أوليائه و أصفيائه: (لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة) فأي بشارة أحسن من بشارة رب الأرباب. بندر السلامة فلما حصل لهذه السفينة هذا الوصول إلى هذا البندر المذكور و رست فيه بالسلامة كما قال الشيخ الناظم t: لما رست في بندر السلامة يرى لها بين السفن علامة و معنى رست أي وصلت بالسلامة من القُطَّاع آمنة مطمئنة كما قال تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيَّة فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي) هي جنة العرفان كما ذكرنا فيما تقدم و جنة الوصول و الرضوان و هذا هو بندر السلامة، كما قيل إن العارف محفوظ من الذل و معصوم من الأضرار. فلما وصلت السفينة المذكورة و رست في بندر السلامة و حصل لها الأمن و الطمأنينة، طلعت حينئذٍ علامة القبول و الوصول بطلوع فجر العناية و ظهور شمس الولاية من الله تعالى، كما أشار الناظم إليه بقوله: ومبتداها إنه ختامه أي أنه سبحانه و تعالى أولاً و آخراً ظاهراً و باطناً في كل الأمور و الوجود ابتداءً و ختماً فتولاه الله بقوله كنت له سمعاً و بصراً إلى غير ذلك من الحديث المتقدم ذكره و فنى عن نفسه و بقى بربه. ثم قال t: من شلها يجبر من الخواطر أي السفينة المذكورة. ثم اعلم أن السفينة المذكورة أيضاً هي الإنسان بل أنت كل الكون مختصر منه و زايد عليه. و لو خضت في عوالمك أيها الإنسان بالفكر الصافي و نور البصيرة لاطّلعت على أسرار و تعرفات و معارف تستفتي بها عن غيرك من الموجودات، قال الله سبحانه و تعالى: ( أولم يتفكروا في أنفسهم) و قال أيضاً: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) و كيف لا تكون كذلك و أنت جوهرة تُطوى عليك أصداف مكنوناته. تُسَفِّرك من هذه الأكوان بما ذُكِر، فيحصل به جبر الخواطر و تهنى بأحسن البشائر. سعر الركوب قال الناظم t: من طلب يركبها يمد نوله يزكي أفعاله بصدق قوله أي من طلب يركب هذه السفينة المذكورة إنما يتهيأ له الركوب بالصدق و التزكية في الأقوال و الأفعال و الأحوال و قد تقدم ذلك عند قوله يقين صادق، ولا يكون ذلك إلا بتوفيق الله تعالى. التوفيق من الله تعالى كما قال الناظم t: الأمر أمره لا يُرَد حوله أي لا حول و لا قوة لك أيها العبد إلا بحوله و قوته، كما قال الشيخ ابن عطاء t في مناجاته في الحكم: إلهي كيف أعزم و أنت القاهر. و قال أيضاً في مناجاته المذكورة: إلهي علمك النافذ و مشيئتك القاهرة لم تترك لذي مقالٍ مقالاً و لا لذي حالٍ حالا. و مع هذا فإنك مأمور بالسعي أيها العبد و العزم، كما قال ابن عطاء أيضاً: و كيف لا أعزم و أنت الآمر. فعليك الجمع بين هذين الأمرين فيما تقدم في معنى إياك نعبد و إياك نستعين، و أن تجمع بين الشريعة و الحقيقة، فمن كان بهذا الوصف ثبتت استقامته و أحواله و يرجى له أن يكون كما قال الناظم t: ارجي سبيله لا يزال عابر في جميع الأوقات والأزمان بالعبادة و العبودية، كما قال سيدنا الشريف الشيخ العارف بالله القطب أبوبكر بن الشيخ عبدالله العيدروس نفع الله بهما: إذا صفت العبودية و صح القصد و النية و فنيت كل بشرية فهنِّئوني. و قال الشيخ ابن عطا رضي الله عنه في الحكم: خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك. كما تـقدم، و انظر إلى سر معنى قوله تعالى في ذكر أحوال نبيه المجتبى rكيف جعل أشرفها و أقربها إليه حال العبودية، حيث قال عز من قائل: (سبحان الذي أسرى بعبده) و ما قاله r في الإسراء من القرب و الدنو إلى غير ذلك من الكرامات التي لا تنحصر. و إنما كان ذلك في مقام العبودية، فانظر بعين قلبك و تأدب لحضرة ربك، و دع الكبر و الدعوى و الزم العبودية المحضة، و كن بأوصاف ربوبيته متعلقاً، و بأوصاف عبوديتك متحققاً، تظفر بالغِنى و تسلم من العَنى. و قال ابن عطا t أيضاً في الحكم: ما طلبٌ منك مثل الاضطرار، و لا أسرع بالمواهب إليك مثل الذلّة و الإفتقار. و هذا أيضاً مقام العبودية، قال رسول الله r : (من أراد أن يعرف منزلته عند الله تعالى فلينظر منزلة الله عز و جل من قلبه، فإن الله عز و جل ينزل العبد عنده حيث أنزله العبد من نفسه) و قال الشيخ الفضيل بن عياض t: إنما يطيع العبد ربه على قدر منزلته منه. و قال الشيخ أبو طالب المكي t: فإذا كان العبد لنظر مولاه مكرِّماً و لحرماته معظِّماً و إلى محبوبه و مرضاته مسارعاً كان الله عز و جل له في آخرته لوجهه مكرماً و لشأنه معظماً و إلى مسرته من النعيم المقيم مسارعاً، و إن كان العبد لحق مولاه متهاوناً و لشعائره مستصغراً كان الله عز وجل له مهيناً و بشأنه متهاوناً و إلى ما يكرهه من العذاب الأليم مسارعاً، و العياذ بالله من ذلك. و من ذلك أيضاً ما روي عن الجنيد رضي الله عنه في حمل المسبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة. فقال: نعم، سببٌ وصلنا به إلى ما وصلنا لا نتركه أبداً. و كان يدخل كل يوم خلوته و يسبل الستر و يصلي أربع مائة ركعة ثم يعود إلى بيته. و رُئي رضي الله عنه في المنام فقيل له: ما فعل الله بك. فقال: طاحت تلك الإشارات و فنيت تلك العبارات و أبيدت تلك الرسوم و غابت تلك العلوم و ما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في السحر. و ما روي عن بعض ساداتنا و مشايخنا الأشراف الأقطاب العارفين آل باعلوي –نفع الله بهم، آمين- أن الشيخ عبدالرحمن السقاف yمكث ثلاثين سنة لا يرقد. و الشيخ عبدالله بن أبي بكر العيدروس yيقول لي: أكثر من عشر سنين لا أرقد لا ليل و لا نهار. و كذلك الشيخ أبي بكر بن سالم yكان يطوي الأسبوع و الأسبوعين، و روي انه قد تمضي عليه سنة لا يغمض العين. فانظر إلى هؤلاء الأكابر أن حالهم في مقام العبودية و اجتهادهم في ذلك قلباً و قالباً لا يزال عابر في ساير الزمان و الأوقات و الساعات. عمارة الأوقات بالطاعات قال الناظم t: يعمر سويعاته بما ذكرنا أي بما ذكرنا من أول القصيدة إلى هنا من التقوى و الطاعة إلى غير ذلك من المقامات، كالزهد و الصدق و اليقين و غيره، و العبور على ذلك بالعبادة و التعبد لله، كما ذكرنا و نقلنا عن المشايخ العارفين – نفع الله بهم أجمعـيـن - و اعلم أنك إذا رأيت أو سمعت عن بعض الأولياء مثل مقامهم بين الخلق لصلاحهم وهدايتهم، أو غير ذلك من المباحات في الظاهر كالسماع و غيره فلا تنسبهم إلى التقصير فيما ذكرناه من العبادات و التعبد في حق الربوبية بل العارفين أنفاسهم كلها قدرية، و قد قال شيخنا عبدالله بن أبي بكر العيدروس – نفع الله به – في بعض وصاياه في صفة العارفين –رضي الله عنهم أجمعين- : حركاتهم و سكناتهم ولبسهم و أكلهم و شربهم و نومهم و يقظتهم و ضحكهم و سرورهم و فرحهم و جميع أفعالهم من الله و إلى الله و في الله و بالله. قلت: فلهذا صارت مباحاتهم درجات و قربات لحسن نياتهم و مقاصدهم و قيامهم في كل ذلك بربهم لا بأنفسهم، فصار كل نفس من العارف خيرٌ من عبادة الثقلين أبداً سرمداً. اتهام النفس و الاعتراف بالتقصير قال الناظم t: ولا يقصر مثل ما فعلنا تقصيرنا ينبيك عن زللنا أنّا عصينا الله و هو قادر و هذا حال العقلاء العارفين و العلماء العاملين الكاملين لا يرضون بشيءٍ من أعمالهم، لأنهم شاهدوها كلها مدخولة معمولة، فيغلب عليهم رؤية التقصير و عدم القيام بحق الربوبية، و العاقل لا يزال متهماً لنفسه، كما قيل شعراً: و من سمات الحجا مَن ليس يرضـىلها منسوبٌ خيرٌ من الأعمال و السيرِ و من عن النفس يرضى في مكاسبها فذلك مسلوبٌ نور العقل و البصرِ و قال الشيخ أبو حفص t : و كيف يصح للعاقل الرضا عن نفسه و الكريم ابن الكريم يقول: (و ما أبرِّئ نفسي إن النفس لأمارةٌ بالسوء). و قال أيضاً رضي الله عنه: منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي أن الله تعالى ينظر إليَّ نظر السخط و أعمالي تدل على ذلك. و قول الناظم t : أنّا عصينا الله و هو قادر أن يعاقبنا على العصيان و يثيبنا بالفضل و الامتنان. رجاء الغفران أخبر الناظم عن ما يرجوه من الله تعالى بغفران ذنوبه ما تقدم منها و ما تأخر فقال t: يغفر ذنوباً لي و ما تقدم و كم لي أعصي خالقي و ما أندم و أخشى عن الأصحاب تروح و ارحم و أطرد عن الأحباب و العشاير و هذا أيضاً شارة العقلاء العارفين و الأئمة العاملين ذوي الأحوال السنية و المقامات العلية، يعترفون بالعجز التقصير و الذنوب و يعتقدون غفرانها من علاَّم الغيوب. و ذلك من باب إحسانه تعالى عليهم و امتنانه و إتماماً بالغفران، و قد يرون الغفلة و النسيان عن ذكر الله تعالى من جملة الذنوب الموبقات، قال سهل بن عبدالله t: ما أعرف معصية أقبح من نسيان هذا الرب. و قال: كم لي أعصي خالقي و ما أندم. و هو غاية الاعتراف و التقصير فيما صدر منه ظاهراً و باطناً كما تقدم في قوله و لا يقصر مثل ما فعلنا، و لا يخفا أن ذلك من أجَـلّ الخصال المحمودة التي يثمر منها الخوف و الرجاء و الشوق و المحبة، و غايتها العجز عن معرفة الله تعالى و هو الغاية القصوى و المطلوب الأعظم عند الكُمَّـل من أولي النُهى. و الندم هو معظم أركان التوبة كما أن معظم أركان الحج عرفة، قال رسول الله r : (الندم التوبة). و مع اعتراف الناظم بالمعاصي و هو بعيد عنها – فيما يَقْرب و يغلب على الظن- خشي من بعد الأصحاب الصادقين المتحابين في الله المخلصين أهل الإيثار و الفتوة و المعرفة و المروة، و خشي أن يذهب عنهم و يرحل عن صواب طريقتهم الأقوم و -هو ممن غُفِر و به يُرحم- و خشي أيضاً الطرد عن من عناهم، و حاشاه ان يطرد عنهم أو يجنح إلى سواهم، و هو معهم يسير سريان الروح اللطيف و إن بعد عنهم بالجسم الكثيف، كيف و هو من جملة خواصهم المقربين. و مراده بالأحباب الذين عناهم أحباب القلوب و من يَدُلّ المحب على المحبوب، و هم على مراتب كثيرة شتى، منهم محب و منهم محبوب و منهم مريد طالب و منهم مراد مطلوب و منهم سالك و منهم مجذوب و منهم سيّار و منهم طيّار إلى غير ذلك مما لا حصر له و كل واحد منهم يصل إليه على ما سبق له في علم الله تعالى القديم. و قوله و العشاير المراد بهم القرابة من جهة الآباء و الأمهات، و قد يوجد منهم من هو من الأحباب مع مزيد معرفة و محبة و صلة و شفقة و مودة. دعاء و لما انتهى الناظم من ذكر السفر المعنوي على المنهج النبوي سأل بحق الله و أنبيائه و أوليائه نفع الله بهم آمين، فقال: يا رب أنا سالك بحقك و هي ذات الله و صفاته و أفعاله المقدسة المنزهة، كما قال الرسول r : ( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) فانظر إلى قوله r و تعوذ بهذا القول و الترقّي من مقام إلى مقام ثم الفَنا في الله تعالى و البَقاء به، فلقد جمع قوله هذا r جميع السلوك و المقامات و التراقي و الفَنا و البَقا كما ذكرنا. ثم قال t: و الأنبياء يا رب و أهل قربك و الأولياء يا رب و أهل رشدك اغفر لعبدك من هوى الظماير و كيف لا يكونوا كذلك و هم هداة الخلق و دعاتهم إلى الله و هم أهل النعمة الذين أنعم الله عليهم في الدنيا و الآخرة بقوله: (من النبيين و الصديقين و الشهداء) و هم الأنبياء المقربون و الأولياء أهل قربه و رشده أيضاً. فمن تقرب بهم و تشَفَّع بهم لا يخيب أمله و مطلوبه في الدنيا و الآخرة من غفران الذنوب و كشف الكروب، كما قال الشيخ جمال الدين محمد بن أبي بكر باعباد - نفع الله به آمين- في أثناء ذكر الصالحين: لو لم يكن في ذكرهم -نفع الله بهم- إلا غفران الذنوب " لكفى" . قلت: هذا في الأولياء و الصالحين فما ظنك بالأنبياء و المرسلين. هذا في محض ذكرهم فما ظنك بالتشفع و التوسل بهم نفع الله بهم أجمعين. و قوله: من هوى الضماير و الضمير هو السر، فالالتفات عندهم بسرائرهم و ضمائرهم إلى ما سوى الله ذنب و سوء أدب في الحضرة. فيلزمهم حينئذٍ التوبة من التفات السر إلى ما سوى الله تعالى. فالأولى: حالة العوام من المؤمنين، و الثانية: حالة السالكين المتوجهين، و الثالثة: حالة العلماء العارفين المقربين أهل الصدق و اليقين. ثم قال t: أصلح عـُبـَيـْدك و ارزقه الإنابة أي الرجوع كما ذكرنا، سواء بالإنابة و التوبة و الأوبة إلى الله. و هي معنى لكل رجوع، و فيها تفصيل و تخصيص، و ليس المحل هنا للبسط، إذ أن الشيخ الناظم رضي الله عنه من خواص عباد الله المقربين، كما شهد له بذلك مشايخنا آل باعلوي – نفع الله بهم أجمعين – فمنهم شيخ شيوخنا محمد بن علي الفقيه المقدم t في بعض كلام له، و قد شهد له أيضاً سيدنا و شيخنا عبدالله بن أبي بكر العيدروس -رضي الله عنهما- بقوله في شرح قصيدته التي أولها: نحن لكم من قبل أن يلد نوح، و هذا كلام من غلبت عليه الروحانية و انمحت عنه الصفات البشرية و تجردت له المعارف الإلهية و انخلعت من الأرواح اللطيفة و تميز اللطيف من الكثيف و عرج بروحه إلى العالم الأعلى و طالع الوجود الحقيقي الأصفى، فانطبع فيه تغشي الملكوت و تجلّى له سر اللاهوت. انتهى فيا له من كلام و ياله من عبد لقد حضي بنيل المرام. التوبة ثم إن لكل مقام توبة كما ذكرنا فقال t: وجُد لعبيدك كل ما أتى به و اغفر ذنوباً له و ما خطا به أصلحه في الدارين أنت ساتر قوله جد أي من الجود و الكرم و الفضل، فطلب الجود بكل ما أتى به من أعمال و أقوال و أحوال فالله غني عن ذلك، و جِئ من باب الفضل و الجود، كما قال تعالى : ( و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) و قال الولي رسلان t في رسالته: إن جئت بلا أنت قَبِلك، و إن جئت بِكَ عاملك. و قال أيضاً: كن من قبيل المِنّة لا من قبيل العمل. و هذه حالة شريفة لا ينالها إلا أهل الفَنا، و قول الناظم: و اغفر ذنوباً له و ما خطا به و قد تقدم معنى ذلك عند قوله اغفر لعبدك من هوى الضماير، و طلب المغفرة بالرجوع إلى الله تعالى مطلوب في كل حين و أوان، فلذلك ذكره الشيخ رضي الله عنه، كيف و فوايد التوبة و الاستغفار لا تنحصر، كما قال الله تعالى بذلك و أوعد بما هنالك من المحبة و غير ذلك، فقال تعالى في حق التائب: ( إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين) فأي حالة أشرف من محبته، و قوله تعالى في الاستغفار: ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفّاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً …) و قوله تعالى: ( و من يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ) في الدنيا و الآخرة إن الله لا يخلف الميعاد، فارجع إليه و تذلل لديه فإنه يصلحك في الدارين. و قول الناظم و أنت ساتر فالستر في الدنيا عن المعاصي، و قد يكون الستر فيها و هذه حالة العامة من المؤمنين، و الأولى حالة الخاصة من المقربين. الختم ثم ختم الشيخ قوله بالمسك الفياح و هي الصلاة على زين الوجود و معدن الأرواح، فقال t: ألفي صلاتي تبلغ المطهر الشافع الهادي النبي الأزهر صلاة ما نجم طالع و دبر مع ركوبات الملا مسافر فالصلاة على النبي r قرة العين و مذهبة الجلاء و الهموم و الرين، و كل دعاء لا يقبل إلا بها كما ورد عنهr و كيف لا يكون كذلك و هو باب الله الأعظم، فمن أتى من غيره لا يدخل، ثم إني إذا رأيت قصيدة لم يكن في آخرها الصلاة عليه r لم يطب قلبي بذلك. و مثله الدعاء و سائر الأعمال. و قد ورد في الآيات و الأحاديث عنه r بالأمر بالصلاة و السلام عليه، قال عز من قائل كريم: ( إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما ) قيل هذا أمر يجاب و قيل بإيجابه في العمر مرة و قيل غير ذلك مما اختلف فيه العلماء رضي الله عنهم، و إنما نبهنا على ذلك للتحفظ على الصلاة عليه r . و الأحاديث في ذلك غير محصورة، فمنها قوله r : (من صلى علـي صلاة r الله عليه بها عشراً و حط عنه عشر خطيئات و رفع له عشر درجات) و في رواية عنه r : (أن جبريل بَشّر أنه من صلى عَلَي، صلى الله عليه و من سَلَّم عَلَي، سَلَّم الله عليه). و هذا من جملة حديث طويل، فانظر أيها المؤمن فائدة الصلاة على النبي r و هي صلاة رب الأرباب و سلامه عليك لَمّا صليت على نبيه و صفوته من خلقه، أي فائدة أعظم من هذه الفائدة بصلاة واحدة، فما ظنك بالألوف و الكثرة، كما روي عن أبي بن كعب t أنه قال للنبي r : كم أجعل لك من صلاتي. قال: ما شئت. قال: الثلث. قال: ما شئت فإن زدت فهو أفضل. قال: النصف. قال: ما شئت و إن زدت فهو أفضل. قال: كلها. قال: إذاً يكفيك همك و يَغفر ذنبك. و في رواية أخرى عن رجل قال: يا رسول الله إني أريد أن أجعل لك صلاتي كلها. قال: إذاً يكفيك الله أمر دنياك و آخرتك. و فضائل الصلاة على النبي r لا تنحصر و لا تتناهى. و قول الناظم: المطهر أي من الرجس و الأدناس البشرية معناً و حساً إلى غير ذلك، و قوله: الشافع و هو المشفع في المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون و الآخرون. و هذا هو الجاه العظيم، و لم يؤته إلا هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة و التسليم. و هو الهادي إلى الصراط المستقيم، كما قال الناظم: الهادي النبي الأزهر. و هو النور المبين الزاهر الظاهر ظاهراً و باطناً. كيف و جسمه نور لا يشخصه ظل. فما ظنك بباطنه الذي هو محل الوحي و التنزيل و التجَلّي و النور الإلهي. و قوله: ما نجمٌ طلع و أدبر أي ظاهر و غابي في الآفاق دائماً على مر الأزمان و الأعوام أبداً سرمداً، كما قال: مع ركوبات الملا مسافر و الملا هنا هو الجمع و الكثرة. و روي في الحديث القدسي عن النبي : قال الله سبحانه و تعالى: ( من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملإٍ خير منه ) ثم إن من ذكر هذا الحبيب و صلى عليه فقد ذكر الله تعالى. و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم، و الحمد لله رب العالمين.



(1) نقلاً عن مخطوطة فتح الكريم الغافر [1] الجلبة المذكورة: السفينة المذكورة في مقدمة المنظومة ( و للأسف لم أعثر على بداية الكتاب).البندر المذكور: في مقدمة القصيدة. الهيراب: هو أساس السفينة، و هو الذي يحفظ توازنها. 1) السكان: مقود السفينة. 2) هذه المنظومة للمؤلف شرحها الشيخ أحمد بن محمد المدني الشهير بالقشاشي شرحاً عظيماً، و شرحها تلميذه العارف بالله السيد علي بن عمر بن علي بن عبدالله باعمر الشهير بـ علي باعمر ببأبسط من الشرح الأول.
  رد مع اقتباس
قديم 08-13-2010, 08:17 AM   #2
محبة آل البيت
Member
 
الصورة الرمزية محبة آل البيت

محبة آل البيت is on a distinguished road
محبة آل البيت غير متواجد حالياً
افتراضي

إذا الخط غير واضح أرجو التبليغ
  رد مع اقتباس
قديم 08-13-2010, 11:46 PM   #3
آل محمد
ĐǾή’Ţ $ŦỠp

قبيلتـي :  آل محمد
آل محمد is on a distinguished road
آل محمد غير متواجد حالياً
افتراضي

جزاك الله خير ... هذا اللي كانت تسئل عنه الاخت الشريفة الظفاريه

في ميزان حسناتك ان شاءالله .. الخط اوكيك واضح
  رد مع اقتباس
قديم 08-14-2010, 05:16 PM   #4
محبة آل البيت
Member
 
الصورة الرمزية محبة آل البيت

محبة آل البيت is on a distinguished road
محبة آل البيت غير متواجد حالياً
افتراضي

شكرا ظفارية على المرور
أسعدني تواجدك
  رد مع اقتباس
قديم 08-19-2010, 01:02 AM   #5
بن علي
Member
 
الصورة الرمزية بن علي

بن علي is on a distinguished road
بن علي غير متواجد حالياً
افتراضي

جهد رائع الشريفه ( محبة آل البيت ) والشكر موصول للسيد محسن على تفعيل وتنشيط هكذا مخطوطات تحمل تاريخا مشرفا

الخط واضح

شكرا لك

مبارك عليكم الشهر الكريم
التوقيع :


الإنسان هو ســـــــــــر اللـــــــــــــــــــــــــــــــه
  رد مع اقتباس
قديم 08-20-2010, 04:49 AM   #6
محبة آل البيت
Member
 
الصورة الرمزية محبة آل البيت

محبة آل البيت is on a distinguished road
محبة آل البيت غير متواجد حالياً
افتراضي

العفو أخوي الشريف (بن علي) وشكرا لك على المشاركة
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مؤلفات كتب العارف بالله عقيل بن عمران ظفار آل محمد أدب و تاريخ آل باعلوي 9 08-11-2010 08:11 PM
سيدنا ومولانا الحبيب القدوة بقية السلف الصالح الحبيب عبدالقادر السقاف في جنة الفردوس أحمدالسقاف أدب و تاريخ آل باعلوي 15 04-11-2010 12:03 AM
السيد ابراهيم بن عمر بن عقيل بن يحى السقاف أحمدالسقاف أدب و تاريخ آل باعلوي 0 01-02-2010 01:34 PM


الساعة الآن 09:23 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.



Management By microperate.com Internet Services